12 سبتمبر، 2026 - 1:27 صباحًا
ثقافة وفنونسليدر

محمود عبد المغني.. فنان معاصر فيه رُوحَ وموهبة جيل العظماء

محمود عبد المغني

كتب/خطاب معوض خطاب
لست معتادًا على الكتابة عن الفنانين المعاصرين، فمعظم ما أكتبه عن الفنانين الذين تركوا بصمة في تاريخ الفن المصري، خصوصًا هؤلاء الذين لم ينالوا ما يستحقونه من شهرة واهتمام، والذين أحب أن ألقبهم بالمهمشين، لكن هناك بعض الاستثناءات التي تفرض نفسها، ومن وجهة نظري فإن الفنان محمود عبد المغني واحد من هذه الاستثناءات؛ لأنه، رغم أنه من أبناء جيلنا، أراه امتدادًا لجيل العظماء من الفنانين الذين كانت الموهبة عندهم هي الأساس، وكان الممثل يستطيع أن يثبت نفسه بأدائه، لا بحجم المساحة التي يحصل عليها على الشاشة.

محمود عبد المغني لم يدخل عالم الفن من باب الشهرة السريعة، وإنما بدأ من الطريق الذي عرفه كبار الممثلين، فكان المسرح والدراسة هما البدايتين. التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ودرس التمثيل والإخراج، وتخرج عام 2000، وهناك عرف أن التمثيل ليس مجرد حفظ كلمات أمام الكاميرا، وإنما قدرة على فهم الشخصية والتعايش معها وإقناع المشاهد بها.

وجاء ظهوره في السينما من خلال فيلم «عبود على الحدود» عام 1999، وهي تجربة مبكرة في مشواره، ثم بدأ حضوره يتسع في السينما والتليفزيون، ولفت الانتباه إليه في عدد من الأعمال، من بينها «صايع بحر» و«ملاكي إسكندرية» و«دم الغزال» و«الشبح» و«الجزيرة»، وغيرها من الأفلام التي أثبت خلالها أنه يستطيع أن يكون حاضرًا حتى في الأعمال التي تضم عددًا كبيرًا من النجوم.

لكن قيمة محمود عبد المغني في رأيي لا تتوقف عند عدد الأعمال التي شارك فيها، وإنما في الطريقة التي تعامل بها مع الشخصيات التي أسندت إليه، فهو من الفنانين الذين لا تشعر معهم أن الشخصية مجرد مساحة مكتوبة في السيناريو، وإنما تشعر أن وراءها إنسانًا له ملامحه وطبيعته وانفعالاته، وهذه واحدة من أهم صفات الممثل الذي يمتلك أدواته.

وفي الدراما التليفزيونية، ترك كذلك بصمته من خلال عدد من الأعمال، وقدم شخصيات مختلفة، ولم يحبس نفسه داخل قالب واحد، فمرة تجده في دور يحتاج إلى القوة والحسم، ومرة في شخصية إنسانية أو اجتماعية أكثر هدوءًا، وهو ما يؤكد أن الممثل الحقيقي لا يعيش على نجاح شخصية واحدة، وإنما يظل يبحث عن الجديد.

وما يلفتني في تجربة محمود عبد المغني أنه ينتمي إلى مدرسة أفتقدها كثيرًا في زمننا الحالي؛ مدرسة الممثل الذي يمكن أن ينجح من خلال موهبته، وأن يكون له حضور حتى عندما لا يكون اسمه هو الاسم الأول على الأفيش. وهذه تحديدًا من الصفات التي كانت تميز أجيالًا عظيمة من الفنانين، فقد كان هناك ممثلون يعرف الجمهور أسماءهم ووجوههم وأدوارهم، حتى لو لم يكونوا أبطال العمل بالمعنى التقليدي.

ولذلك حزنت عندما وجدت بعض الناس يسخرون من محمود عبد المغني أو من بعض أفلامه وأدواره، لأنني أرى أن من حق أي إنسان أن يختلف مع فيلم أو ينتقد أداء فنان، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد والسخرية، وبين إبداء الرأي وتسفيه تجربة فنية كاملة.

والأمر بالنسبة لي أكبر من محمود عبد المغني نفسه؛ لأن السخرية المستمرة من نجومنا وأعمالنا الفنية والاستهانة بما قدموه ليست في النهاية مجرد سخرية من فنان أو فيلم، وإنما أراها نوعًا من تحطيم قوى مصر الناعمة، وتسفيهًا لنجوم مصر ومبدعيها الذين ساهموا على مدى عقود في تشكيل وجدان أجيال كاملة داخل مصر وخارجها.

وقد نختلف مع فيلم سينمائي، وقد نرى أن عملًا لم يكن على مستوى أعمال أخرى للفنان نفسه، وهذا حق أصيل للجمهور والنقاد، لكن لا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى محاولة لهدم قيمة الفنان أو إنكار موهبته. فالفن المصري ليس مجموعة أفلام ومسلسلات فحسب، وإنما جزء من تاريخ مصر وثقافتها وذاكرتها ووجدان شعبها.

ومحمود عبد المغني بالنسبة لي ليس مجرد فنان من جيل معاصر، وإنما واحد من هؤلاء الذين يجعلوننا نطمئن إلى أن مدرسة التمثيل المصري التي صنعت كبار النجوم لم تنتهِ، وأن هناك من يستطيع أن يحمل شيئًا من روحها إلى الأجيال الجديدة.

قد يختلف البعض حول بعض اختياراته الفنية أو حول أفضل أدواره، وهذا أمر طبيعي، لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أنه استطاع أن يصنع لنفسه مكانًا بين أبناء جيله، وأن يحافظ على حضوره طوال سنوات، وأن يثبت أن الطريق إلى النجومية لا يمر بالضرورة من خلال البطولة المطلقة، وإنما يمكن أن يبدأ من دور صغير، ثم يكبر صاحبه بموهبته واجتهاده.

فالفنان الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد مرات ظهوره، ولا بعدد مشاهده، وإنما بقدرته على أن يترك أثرًا لدى الناس، وأن يجعل المشاهد يصدقه في كل شخصية يؤديها.

ومن هذه الزاوية تحديدًا أرى محمود عبد المغني امتدادًا لجيل الفنانين العظماء، وفنانًا يستحق أن نتوقف عند تجربته، حتى وإن كنت، في الأصل، لا أميل إلى الكتابة عن الفنانين المعاصرين.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=95549