عاجل
أهم الأخبارمقالات وآراء

الدكتور محمد العرب يكتب.. الأقنعة ومزارع الكراهية

صناعة الوهم والخداع في مواقع التواصل الاجتماعي هي ظاهرة تتعلق بانتشار الأخبار المضللة والمعلومات المضللة والتلاعب الرقمي على تلك المنصات، مما يجعلها بؤرة تتدفق منها ومن خلالها ما لا نهاية من الأخبار الكاذبة التي تهدف إلى تضليل الجمهور، بهدف نشر الفوضى أو تحقيق أجندات سياسية أو اقتصادية معادية للمجتمعات المستهدفة..

كمية هائلة من الأخبار الزائفة والحملات التضليلية والمعلومات الوهمية، تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي للتشويه والتلاعب بالمشاعر والمعتقدات، تنشرها بلا توقف مزارع الكراهية عبر الروبوتات الاجتماعية، حيث يتم استخدام الحسابات الروبوتية (bots) لنشر المعلومات وزيادة التفاعلات الوهمية، لتضخيم الرأي العام وتشكيله بطرق غير شرعية وغير حقيقية، مزارع الكراهية تعمل وسط منظومة من خطط الاستهداف لصالح مموليها، فهناك الأجندة المريبة التي يتم تنفيذها بخبث وبراعة عبر خداع الفلاتر في مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على المجتمع وتقلص مساحة المصداقية، أشعر أنك عزيزي القارئ تقول هل انتهت مواضيع السياسة والاقتصاد والحروب والكوارث لتحدثنا عن الفلاتر، وهنا أقول الموضوع أكبر من فلتر، الموضوع قولبة المجتمع ونسف مصداقيته من خلال انتشار المقنعين الجدد، الذين أصبحوا رموزا للمراهقين والبسطاء، تمهيدا لاستخدامهم متى ما حانت ساعة الاستهداف لمجتمعاتنا…

في العصور القديمة استخدمت الأقنعة في الطقوس الدينية والاحتفالات الثقافية في مصر القديمة، وحضارات بلاد ما بين النهرين والثقافة اليونانية والثقافة اليابانية والثقافات الأفريقية، وفي العصور الوسطى في أوروبا أيضا كان استخدام القناع لإخفاء الملامح أو المشاعر، أما في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي فالفلاتر أقنعة العصر، تستخدم للانتشار وليس التخفي، حيث أصبحت الفلاتر وسيلة شائعة لتعديل الصور والفيديوهات وجعلها أكثر جاذبية وجمالا مما يجعلها أكثر تأثيرا، واحدة من هذه الوسائل الشهيرة هي برنامج «تيك توك»، والذي يقدم للصين خدمات سياسية واقتصادية واجتماعية أكثر من وزارات الثقافة والخارجية والاقتصاد في الحكومة الصينية، التطبيق يوفر مجموعة واسعة من الفلاتر التي يمكن للمستخدمين استخدامها لتغيير مظهرهم مما ينعكس على الصورة الذهنية لدى المتلقي…

وهنا يجب أن نتساءل عن تأثير استخدام هذه الفلاتر على المجتمع ومساحة المصداقية، فعندما يتم استخدام الفلاتر بطرق مبالغ فيها ومضللة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تشويه الصورة الحقيقية للأشخاص والتأثير على تقبل الذات لديهم ولدى غيرهم وخداع المجتمع، هنا يجب أن نتساءل، عندما ينتحل الإنسان شخصية غير شخصيته، ويستخدم اسما غير اسمه فهو يكون تحت طائلة القانون، وأعتقد هنا أن استخدام الفلاتر بغرض الخداع والتضليل، وتنفيذ أجندات القولبة يجب أن يكون أيضا تحت طائلة القانون..!

الفلاتر تصنع صورا مثالية مخادعة وتجعل الناس يطمحون للحصول على المظهر الذي لا يمتلكونه بالفعل، وهذا يؤثر على صحة الذات، ويزيد من الضغط النفسي، ويتسبب في انهيار الثقة بالنفس وتقليص مساحة المصداقية في المحتوى المنشور، فالصور والفيديوهات التي تعتمد بشكل كبير على الفلاتر التي تبدو غير واقعية، وتخلق توقعات غير واقعية للجمال والمظهر، مما يضع تقديرات مغلوطة على أساس تلك القناعات المغلوطة، وبالتالي يساهم في التأثير على المجتمع، والهدف الأكبر هو الوصول إلى مرحلة يصعب فيها التمييز بين الحقيقة والخداع، مما يقلص مساحة المصداقية والشفافية لنصل إلى مرحلة الضياع الاجتماعي، وهنا نحن بحاجة إلى تأسيس منظومة أخلاقية تجعل رواد تلك المواقع يحافظون على تقبلهم لأنفسهم، وأن يكونوا راشدين في استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، يجب أن يتعلموا قبول مظاهرهم الحقيقية والتعامل معها بإيجابية وثقة، وتقبل الآخر وفقا للمحتوى وليس الفلتر، يجب أن يتذكر الجميع أن الفلاتر ليست سوى أداة تعديل وتجميل وليست الحقيقة النهائية…

إن إدمان استخدام الفلاتر في مواقع التواصل الاجتماعي يشبه ارتداء الأقنعة قديما، فكلاهما يخفي الحقيقة ويشوه الصورة…!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى