لم يعد مقبولاً أن تتحول أموال الشعب العراقي إلى صندوق امتيازات مفتوح لمن شغلوا مناصب سياسية مؤقتة، ثم غادروا السلطة برواتب تقاعدية دائمة تدفع من المال العام وكأنها حق مكتسب لا يخضع لأي معيار من معايير العدالة أو الإنصاف. هذا الواقع لم يعد مجرد خلل إداري، بل أصبح اختلالاً خطيراً في العدالة العامة واستنزافاً منظماً للمال العام تحت غطاء قانوني، في وقت يعاني فيه العراق من أزمات اقتصادية وضغط كبير على الموازنة العامة.
كيف يمكن تبرير أن نائباً أو وزيراً خدم سنوات قليلة لا تتجاوز دورة انتخابية واحدة يحصل على تقاعد دائم يفوق أضعاف راتب موظف أفنى عمره في خدمة الدولة لعقود طويلة؟ وأي منطق إداري أو أخلاقي يسمح بهذا التفاوت الصارخ بين الخدمة المؤقتة والامتياز الدائم؟ إن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره اختلافاً في القوانين، بل هو انحراف واضح في فلسفة العدالة داخل الدولة العراقية، حيث تتحول المناصب المؤقتة إلى امتيازات دائمة، بينما تبقى الخدمة الطويلة محدودة العائد.
ومن هنا، لا بد من توجيه خطاب مباشر إلى دولة رئيس الوزراء، مفاده أن استمرار هذا الملف دون إصلاح لم يعد قابلاً للتبرير أو التأجيل. فالمواطن العراقي اليوم لا ينتظر تبريرات قانونية، بل يطالب بإيقاف هذا النزيف بشكل فوري. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة في الشارع هو: كيف تتحول المناصب المؤقتة إلى رواتب تقاعدية دائمة تصرف من المال العام، بينما يترك الموظف الحقيقي الذي خدم الدولة لعقود برواتب لا تكفي احتياجاته الأساسية؟
إن استمرار هذا النظام يعني تكريس واقع خطير يقوم على وجود طبقة سياسية تعيش على المال العام مدى الحياة، مقابل شريحة واسعة من الموظفين والمتقاعدين الذين يعانون من ضعف الإنصاف. وهذا يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة، ويضعف الإحساس بالعدالة داخل المجتمع، ويخلق شعوراً عاماً بأن الدولة تميز بين أبنائها على أساس المنصب لا على أساس الخدمة.
إن المشكلة لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في الفلسفة التي تدار بها الدولة. فالتقاعد في الأصل هو استحقاق مقابل خدمة طويلة ومستمرة، وليس مكافأة على موقع سياسي مؤقت. لكن الواقع الحالي يعكس معادلة مقلوبة: مسؤول سابق يحصل على دخل مضمون مدى الحياة، وموظف خدم ثلاثين عاماً يحصل على تقاعد محدود، بينما تضيع العدالة بين الطرفين. وهذا ليس نظام دولة حديثة، بل خلل بنيوي في مفهوم العدالة الوظيفية داخل الدولة.
كل دينار يصرف خارج إطار العدالة هو دينار يسحب من قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية وفرص الشباب. لكن الأخطر من الهدر المالي هو تآكل الثقة بين المواطن والدولة، لأن فقدان العدالة في توزيع المال العام يؤدي إلى فقدان الشرعية الأخلاقية للمؤسسات مهما كانت قوانينها قائمة.
إن الإصلاح الحقيقي لهذا الملف لا يحتاج إلى حلول ترقيعية، بل إلى قرارات جريئة تعيد تنظيم منظومة التقاعد بالكامل، تبدأ بتوحيد نظام التقاعد لكل العاملين في الدولة دون استثناءات سياسية، وربط الاستحقاق التقاعدي بعدد سنوات الخدمة الفعلية، وإلغاء الامتيازات الدائمة المرتبطة بالمناصب المؤقتة، إضافة إلى إخضاع الرواتب التقاعدية العليا للشفافية والمراجعة العلنية. كما أن نشر البيانات المالية الخاصة بالمسؤولين السابقين لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وترسيخ مبدأ الرقابة الشعبية على المال العام.
إن الشفافية ليست شعاراً سياسياً، بل هي أساس أي دولة تريد الاستقرار. والمواطن لا يرفض الحقوق، لكنه يرفض الامتيازات غير المبررة والتمييز غير العادل. وكل تأخير في معالجة هذا الملف يعني استمرار نفس المنظومة التي تستنزف الدولة منذ سنوات.
وفي الختام، فإن ملف تقاعد المسؤولين السابقين لم يعد ملفاً إدارياً قابلاً للتأجيل، بل أصبح قضية تمس جوهر العدالة الاجتماعية في العراق واستقرار العلاقة بين المواطن والدولة. إما أن يعاد بناء هذا النظام على أساس الخدمة الحقيقية والإنصاف، أو سيبقى المال العام يستهلك في دائرة امتيازات لا تعكس حجم الخدمة ولا تحقق العدالة. العراق اليوم أمام خيار واضح: إما دولة عدالة حقيقية تنصف الجميع، أو دولة امتيازات تكرس الفجوة بين المواطن والسلطة، ولا يمكن الجمع بين الاثنين.
