إعداد: د. رياض الدليمي
شكّل الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، إذ أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة المركزية وفتح المجال أمام تحولات سياسية واجتماعية وأمنية عميقة ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.
وفي خضم هذه التحولات، برزت ظاهرة يمكن وصفها بـ “الوطنية العمياء”، حيث تحوّل الولاء لدى قطاعات من المجتمع من الدولة والوطن إلى الطائفة أو الحزب أو الزعيم أو الجماعة المسلحة، وأصبح النقد والمساءلة يُفسَّران في كثير من الأحيان على أنهما خيانة أو استهداف للهوية الجماعية.
لا تستهدف هذه الدراسة طائفة أو قومية أو حزبًا بعينه، بل تسعى إلى تحليل ظاهرة اجتماعية وسياسية ظهرت بدرجات متفاوتة لدى مختلف المكونات العراقية، وأسهمت في تعميق الانقسام وإضعاف الدولة وتأخير مشروع المواطنة.
أولاً: انهيار الدولة وصعود الهويات الفرعية
أدى الاجتياح الأمريكي وما تبعه من قرارات، أبرزها حل الجيش ومؤسسات الدولة، إلى فراغ أمني وسياسي واسع. وفي ظل غياب الدولة القوية القادرة على احتواء المجتمع، اتجه العراقيون نحو الهويات الفرعية بحثًا عن الحماية والانتماء.
برزت في هذه المرحلة:
* الأحزاب الدينية.
* الأحزاب القومية.
* العشائر.
* الجماعات المسلحة.
* المرجعيات الدينية والسياسية.
وبدلاً من ترسيخ مفهوم المواطنة، أصبحت الطائفة أو القومية أو الحزب تمثل الإطار الأساسي للولاء السياسي والاجتماعي لدى شرائح واسعة من المجتمع.
ثانياً: المحاصصة وإعادة تشكيل الوعي السياسي
اعتمد النظام السياسي الجديد على مبدأ المحاصصة الطائفية والقومية في توزيع السلطة، الأمر الذي رسّخ الانتماءات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
ومع مرور الوقت، نشأت قناعة لدى بعض الأوساط بأن الدفاع عن الحزب أو الطائفة هو دفاع عن الوجود والمصير، وأصبح نقد بعض القوى السياسية يُفسَّر بوصفه استهدافًا للمكوّن الذي تدّعي تمثيله.
وهكذا تحولت المنافسة السياسية في كثير من الأحيان إلى صراع هويات، بدلًا من أن تكون تنافسًا بين برامج ورؤى لإدارة الدولة.
ثالثاً: دور الرموز الدينية والسياسية في صناعة الولاء
شهد العراق بعد عام 2003 صعودًا غير مسبوق لدور الرموز الدينية والسياسية في الحياة العامة.
ففي الوقت الذي لعبت فيه بعض المرجعيات أدوارًا إيجابية في الدعوة إلى السلم الأهلي وضبط الصراعات، دخلت شخصيات دينية وسياسية أخرى في دائرة الاستقطاب الحزبي والطائفي.
ونتيجة لذلك، تشكلت لدى بعض الأتباع حالة من التماهي بين:
* الدين والسياسة.
* الطائفة والحزب.
* الزعيم والوطن.
وأصبح نقد بعض الشخصيات أو الأحزاب يُنظر إليه على أنه اعتداء على الجماعة نفسها، لا مجرد اختلاف سياسي مشروع.
رابعاً: المليشيات والسلاح خارج إطار الدولة
من أبرز التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003 ظهور عشرات التشكيلات المسلحة ذات الخلفيات العقائدية أو الطائفية أو السياسية.
وقد برزت هذه الجماعات في سياقات مختلفة، بعضها ارتبط بمقاومة الاحتلال، وبعضها نشأ ضمن الصراع الطائفي، وبعضها اكتسب شرعية واسعة خلال الحرب ضد تنظيم داعش.
لكن المشكلة الأساسية ظهرت عندما تحوّل السلاح في نظر بعض الأتباع إلى مصدر للشرعية السياسية، وأصبح نقد بعض الفصائل أو المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة يُقابل بالتخوين أو الاتهام بالعمالة.
وهكذا تراجع مفهوم الدولة لصالح مفهوم الجماعة المسلحة بوصفها الحامي الحقيقي للمجتمع.
خامساً: الاحتجاجات في المناطق الغربية ورفض التهميش
بين عامي 2012 و2013 شهدت محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من ديالى وكركوك احتجاجات واسعة طالبت بإصلاحات سياسية وإنهاء ما اعتبره المحتجون سياسات تهميش وإقصاء.
اختلفت التفسيرات لهذه الاحتجاجات:
* فهناك من اعتبرها حراكًا شعبيًا مشروعًا يطالب بالعدالة والمساواة.
* وهناك من رأى فيها تهديدًا للنظام السياسي أو بيئة يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة.
لكن ما لا يمكن إنكاره أن هذه الاحتجاجات عكست وجود أزمة ثقة عميقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المواطنين.
سادساً: ديالى نموذجًا للصراع المركب
تمثل محافظة ديالى نموذجًا معقدًا لتداخل العوامل الطائفية والقومية والسياسية.
فقد شهدت المحافظة خلال السنوات الماضية موجات من العنف والتهجير والصراع على النفوذ، وأصبحت مثالًا على كيفية تحول الانتماءات الفرعية إلى أدوات للاستقطاب والتنافس السياسي.
وفي مثل هذه البيئات، تتعزز الوطنية العمياء عندما يصبح الانتماء للجماعة أهم من الانتماء للدولة والقانون.
سابعاً: ثورة تشرين وكسر حاجز الولاءات التقليدية
في عام 2019 اندلعت احتجاجات تشرين التي مثّلت نقطة تحول مهمة في الوعي السياسي العراقي.
تميزت هذه الحركة بعدة سمات:
* رفض الطائفية السياسية.
* رفض الفساد.
* رفض هيمنة الأحزاب التقليدية.
* رفض التدخلات الخارجية بمختلف أشكالها.
* المطالبة بدولة المواطنة.
وقد شكّلت هذه الاحتجاجات تحديًا مباشرًا للوطنية العمياء، لأنها أعادت تعريف الوطنية بوصفها دفاعًا عن الدولة والحقوق والكرامة الإنسانية، لا عن الأحزاب والزعامات.
ورغم ما تعرض له المحتجون من ضغوط وعنف، فإنهم نجحوا في إحداث تحول مهم في الخطاب السياسي العراقي.
ثامناً: التجربة الكردية بين الهوية القومية والسلطة السياسية
في إقليم كردستان تطورت تجربة سياسية خاصة مرتبطة بتاريخ طويل من الصراع والمعاناة.
وقد عزز ذلك الشعور بالهوية القومية الكردية، وهو أمر مفهوم في سياقه التاريخي.
لكن كما حدث في بقية أنحاء العراق، ظهر أحيانًا خلط بين الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة وبين الدفاع عن الأحزاب الحاكمة، بحيث أصبح نقد بعض القوى السياسية يُفسَّر لدى بعض الأنصار على أنه استهداف للقضية الكردية نفسها.
تاسعاً: الفئة الصامتة والحياد السياسي
إلى جانب المؤيدين والمعارضين، توجد شريحة واسعة من العراقيين اختارت الابتعاد عن الاستقطاب الحزبي والطائفي.
هذه الفئة:
* ترفض الانخراط في الولاءات الضيقة.
* لا تثق بالطبقة السياسية التقليدية.
* تبحث عن دولة مؤسسات وقانون.
ورغم أن صوتها أقل ظهورًا في المشهد الإعلامي والسياسي، فإنها تمثل أحد أهم الموارد الاجتماعية لبناء مشروع وطني جامع في المستقبل.
عاشراً: نتائج الوطنية العمياء
أدت الوطنية العمياء بمختلف أشكالها إلى مجموعة من النتائج السلبية، منها:
1. تبرير الفساد بحجة حماية المكوّن أو الحزب.
2. إضعاف مبدأ المساءلة والمحاسبة.
3. تكريس الانقسام المجتمعي.
4. شرعنة العنف السياسي في بعض المراحل.
5. تعطيل بناء مؤسسات دولة قوية ومستقلة.
6. تحويل الخصومة السياسية إلى صراع وجودي.
7. تقديم الولاء للأشخاص والجماعات على حساب الولاء للدولة.
نحو وطنية واعية
تكشف التجربة العراقية بعد الاجتياح الأمريكي عام 2003 أن بناء الديمقراطية لا يتحقق بمجرد إجراء الانتخابات أو تغيير الأنظمة السياسية، بل يتطلب ترسيخ ثقافة المواطنة وسيادة القانون واستقلال المؤسسات.
لقد دفعت جميع المكونات العراقية، عربًا وكردًا وتركمانًا، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين وصابئة، سنة وشيعة، أثمانًا باهظة نتيجة الصراعات والانقسامات والولاءات الضيقة.
والوطنية الحقيقية لا تعني الدفاع عن السلطة أو الحزب أو الطائفة أو الزعيم مهما كانت أخطاؤهم، بل تعني الدفاع عن العدالة والحرية والكرامة الإنسانية وسيادة القانون.
إن مستقبل العراق لن يُبنى على الوطنية العمياء، بل على وطنية واعية تجعل الدولة فوق الجماعات، والقانون فوق الأشخاص، والمواطنة فوق جميع الانتماءات الفرعية.
د. رياض الدليمي
دراسة في علم الاجتماع السياسي وتحولات الهوية الوطنية في العراق بعد الاجتياح الأمريكي عام 2003
