8 أغسطس، 2026 - 2:43 مساءً
مقالات وآراء

بين مطرقة الجغرافيا وسندان النفوذ.. هل يضيق الطوق على إيران والعراق؟

بقلم: د. رياض عبدالستار الدليمي

لم تعد الجغرافيا نعمة، بل أصبحت عبئاً ثقيلاً في لعبة الأمم.
ما يجمع إيران والعراق اليوم ليس الجوار فحسب، بل وحدة المصير الجيوسياسي؛ إذ يقف كلاهما أمام مشهد بالغ الحساسية، وكأن الطوق يضيق عليهما من الجوانب كافة.
إيران.. الإمبراطورية المحاصرة
عند النظر إلى الخارطة، نجد إيران محاطة بدول الطوق:
من الشرق: أفغانستان تحت حكم طالبان وباكستان النووية؛ وهي جبهة غير مستقرة ومصدر دائم للتوتر والتطرف.
من الغرب: عراق منهك وسوريا ممزقة، تحولا من عمق استراتيجي لها إلى عبء أمني واقتصادي.
من الشمال الغربي: تركيا، المنافس التاريخي على النفوذ في سوريا والعراق والقوقاز.
من الجنوب: السعودية ودول الخليج، المنافس الاقتصادي والإقليمي المدعوم أمريكياً.
بنت إيران مشروعها على نظرية “تصدير الثورة والاعتماد على الفصائل”، واليوم أوشك هذا العمق نفسه أن يتحول إلى طوق يخنقها؛ فكلما تمددت الإستراتيجية، زاد الخناق ضيقاً.

العراق.. المحتجز في المنتصف

أما العراق فمأساته أكبر؛ فهو ليس دولة طوق، بل دولة تتوسط هذا الطوق:
من الشمال: تشن تركيا عمليات عسكرية مستمرة بذريعة حزب العمال الكردستاني، فضلاً عن تحكمها بأوراق ملف المياه.
من الغرب: سوريا، وهي خاصرة رخوة مفتوحة على المخدرات والتحركات المسلحة عبر الحدود.
من الجنوب والجنوب الغربي: دول الجوار العربي التي تنظر إلى العراق كساحة نفوذ إيراني تتطلب المعالجة والتحجيم.
من الشرق: إيران، التي ترى في العراق منفذاً حيوياً لتخفيف آثار العقوبات الدولية.
تحول العراق إلى ساحة للمواجهة بدلاً من أن يكون دولة ذات سيادة؛ ساحة تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى، ويدفع هو الثمن الأكبر.
حصار الجغرافيا وسيناريوهات الضغط
في الجغرافيا السياسية ثمة قاعدة ثابتة: حين تضيق المساحات وتتقاطع المصالح، يقع الطرف الأضعف تحت وطأة ضغوط متقاطعة تُكبّل حركته.
ولعل خطورة الموقف بالنسبة لإيران والعراق لا تكمن في المواجهة المباشرة فقط، بل في حزام الضغط المتزايد من دول الطوق.
السيناريو المرتقب لا يتجسد في حرب شاملة، بل في تكتيك الخنق البطيء عبر ثلاثة أبعاد:
1. الضغط الاقتصادي: تقييد المنافذ، واستخدام سلاح المياه، وتذبذب عوائد النفط.
2. الضغط الأمني: استغلال البؤر التوترية والملفات القومية والاحتجاجات الداخلية.
3. الضغط السياسي: فرض معادلة الاستقطاب على بغداد، وإجبارها على اتخاذ خيارات حادة.
تسعى إيران لاستخدام العراق كخط دفاع أمامي، بينما يحاول العراق المناورة بين الأطراف المختلفة، إلا أن دول الجوار أبدت عدم رغبتها في الاستمرار بدعم حالة السيولة الراهنة.
والنتيجة :
يقف إيران والعراق أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تفكيك هذا الحصار عبر بناء مصالحة تاريخية وشراكات متوازنة مع الجوار والعودة كدولتين وطنيتين، أو البقاء تحت وطأة هذه الضغوط المتزايدة حتى ينتهي هامش المناورة بالكامل.
والتاريخ لا يرحم من يخطئ قراءة الجغرافيا.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94341