كثيرًا ما يراودني سؤالٌ غريب كلما جلستُ أمام شاشة التلفاز أتابع أخبار العالم: أَيَّةُ أَرْضٍ هذه التي نعيش عليها؟
أرضٌ تهبنا الربيعَ والوردَ والماء، وتفتح لنا الغاباتُ صدرها، وتمنحنا البحارُ أسرارها، ثم لا تلبث أن تهزَّ تحت أقدامنا مدنًا بأكملها، أو تقذف في وجهنا إعصارًا، أو تغمر قريةً بفيضان، أو تُسقط جبلًا، أو تفتح في مكانٍ ما شقًّا من شقوق الغضب الجيولوجي؟
عجيبٌ أمرُ هذه الأرض!
نعيش فوقها مطمئنين، نزرع ونبني ونتناسل ونخترع، ونخطط لمستقبل أبنائنا، وكأنها وُجِدَت خصيصًا لتحتملنا إلى الأبد. لكنَّ الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالأرض ليست مجرد كرةٍ صخرية تدور في الفضاء، بل نظامٌ حيٌّ بالغ الحساسية، تتشابك فيه المياه والهواء والتربة والمناخ والكائنات الحية، ويعتمد استمرار الحياة فيه على توازنات دقيقة لا نكاد نراها.
فهل الأرض كوكبُ الحياة فعلًا، أم أننا نحيا فوق موطنٍ جميل يقف، ببطء، على حافة الهاوية؟
تغطي المياه نحو 71% من سطح الأرض، فيما لا تتجاوز اليابسة نحو 29%. ومع ذلك، فإن معظم تلك المياه مالحة، بينما تتوزع المياه العذبة المحدودة بين الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية والأنهار الجليدية. أما اليابسة نفسها فليست كلها صالحة للسكن أو الزراعة؛ فهناك الصحارى الشاسعة، والسلاسل الجبلية، والمناطق القطبية، والأراضي القاحلة.
وهكذا يجد الإنسان نفسه متركزًا في رقعة محدودة من كوكبٍ هائل.
وتزداد المفارقة غرابة حين نكتشف أن الأرض، رغم اتساعها، ليست فضاءً لا نهائيًا أمام الإنسان. فالموارد محدودة، والماء ليس بلا نهاية، والتربة الخصبة ليست ملكًا أبديًا لنا، والغابات ليست مخازن أخشاب فحسب، بل أنظمة حية تحفظ التوازن البيئي.
أما التنوع البيولوجي فهو الحكاية الأجمل والأكثر هشاشة.
في غابات الأمازون، وفي المحيطات، وفي الشعاب المرجانية، وفي الجبال والسهول والصحارى، ملايين الأنواع من الكائنات تتقاسم معنا هذا الكوكب. بعضُها نعرفه، وأكثرها ربما لا نعرف بوجوده أصلًا. ومع ذلك، فإن الإنسان الذي جاء متأخرًا إلى مسرح الحياة أصبح قادرًا على تغيير المسرح كله.
التقييم العالمي للتنوع البيولوجي الذي أعدته IPBES حذّر من أن نحو مليون نوع مهدد بالانقراض خلال العقود المقبلة، نتيجة الضغوط المتزايدة على الطبيعة، ومنها تغير استخدام الأراضي والبحار، والاستغلال المفرط للكائنات، والتلوث، والتغير المناخي.
وهنا تبدو المفارقة المؤلمة:
الإنسان لا يكتفي بأن يعيش على الأرض؛ إنه يعيد تشكيلها.
يقطع الغابة لكي يبني مدينة، ويجفف المستنقع لكي يستصلح أرضًا، ويستنزف المياه الجوفية، ويستهلك التربة، ويستخرج النفط والغاز والفحم، ثم يعود ليسأل: لماذا ارتفعت الحرارة؟ ولماذا اشتدت موجات الجفاف؟ ولماذا أصبحت الفيضانات أكثر قسوة؟
التغير المناخي لم يعد حكايةً بعيدة عن حياتنا اليومية.
الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC تؤكد أن الاحترار الناجم عن النشاط البشري يؤثر بالفعل في الظواهر المناخية المتطرفة، وأن ارتفاع مستوى سطح البحر سيستمر خلال هذا القرن وما بعده. وتشير تقديراتها إلى أن متوسط ارتفاع مستوى البحر عالميًا قد يصل بحلول عام 2100 إلى نحو 28 ـ 55 سنتيمترًا في سيناريو الانبعاثات المنخفضة، وإلى نحو 63 سنتيمترًا ـ متر واحد في السيناريو المرتفع جدًا.
وهذا لا يعني أن مدنًا ساحلية بأكملها ستختفي فجأة تحت الماء كما توحي بعض الصور المبالغ فيها؛ لكنه يعني شيئًا أخطر: أن ملايين البشر والبنى التحتية والاقتصادات الساحلية ستواجه مخاطر متزايدة من الفيضانات والتآكل وارتفاع منسوب البحر.
ثم يأتي الغذاء.
فالأرض التي تطعم مليارات البشر تحتاج إلى تربة سليمة. وتشير منظمة الأغذية والزراعة FAO إلى أن نحو 33% من التربة العالمية متدهورة بدرجات متفاوتة، نتيجة عوامل مثل التعرية واستنزاف العناصر الغذائية والتملح والضغط والتلوث.
والتربة ليست مجرد تراب تحت أقدامنا؛ إنها أحد أهم مخازن الحياة.
إذا أفسدناها، فلن نستطيع شراء تربة جديدة من كوكب آخر.
وهنا يظهر السؤال الديموغرافي.
هل تستطيع الأرض أن تستوعب عشرين مليار إنسان؟
ربما يستطيع العلم أن يزيد قدرتنا على إنتاج الغذاء والطاقة والمياه، لكن السؤال الحقيقي ليس: كم إنسانًا تستطيع الأرض أن تحمل؟
السؤال الأكثر خطورة هو:
كم إنسانًا تستطيع الأرض أن تعيل بمستوى حياة عادل ومستدام؟
والتقديرات السكانية الحديثة تمنحنا صورة مختلفة عن بعض التوقعات السابقة؛ فالأمم المتحدة تتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى نحو 10.3 مليار نسمة في منتصف ثمانينيات هذا القرن، ثم يتراجع قليلًا إلى نحو 10.2 مليار بحلول عام 2100.
لكن الرقم وحده لا يقول كل شيء.
فالمشكلة ليست في عدد البشر فقط، وإنما في أنماط استهلاكهم، وفي مقدار ما يستهلكه الفرد من ماء وطاقة وغذاء ومواد خام، وفي مدى عدالة توزيع الموارد بين الشعوب.
وقد يكون كوكبٌ يسكنه عشرة مليارات إنسان أكثر قدرة على الاستمرار من كوكبٍ يسكنه عدد أقل، إذا امتلك الأول نظامًا أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
وهنا تدخل التكنولوجيا.
فالزراعة الحديثة، والزراعة العمودية، وتحسين كفاءة الري، وتحلية المياه، وإعادة تدوير المياه، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، والتخزين الكهربائي، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، كلها أدوات يمكن أن تساعد الإنسان في تخفيف الضغط عن الكوكب.
والأرقام تمنح بعض الأمل؛ فقد بلغت حصة مصادر الطاقة المتجددة نحو 30% من إنتاج الكهرباء عالميًا في عام 2023، وفق الوكالة الدولية للطاقة، مع توقعات بارتفاعها بقوة خلال السنوات التالية.
إذن، لسنا أمام كوكبٍ يحتضر بالضرورة.
نحن أمام كوكبٍ يرسل إلينا إشارات تحذير.
لكن هناك خطرًا آخر لا علاقة له بالزلازل ولا بالأعاصير ولا بارتفاع الحرارة.
إنه الإنسان نفسه.
الحروب.
فالحرب لا تقتل البشر وحدهم؛ إنها تحرق الغابات، وتلوث المياه، تدمر المدن، تهدم شبكات الطاقة، تعطل الزراعة، وتبدد موارد كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة وحماية البيئة.
أما الأسلحة النووية فتضع البشرية أمام احتمال أكثر رعبًا؛ إذ لا تتوقف آثارها عند لحظة الانفجار، بل يمكن أن تمتد إلى البيئة والزراعة والصحة والأمن الغذائي لعقود، فضلًا عن الخطر الوجودي الذي تمثله حرب نووية واسعة النطاق.
وهنا تصبح المفارقة أكثر قسوة:
نحن نبحث عن حياة على المريخ، بينما لم نتعلم بعد كيف نحافظ على الحياة فوق الأرض.
نرسل المركبات إلى أعماق الفضاء، ونبحث عن كواكب بعيدة قد تصلح للسكن، ونطور تقنيات مذهلة، وفي الوقت نفسه نعجز عن الاتفاق على حماية غابة، أو نهر، أو محيط، أو هواء نتنفسه جميعًا.
قد يأتي يوم يستطيع فيه الإنسان الوصول إلى المريخ، لكن المريخ لن يكون بديلًا سهلًا عن الأرض.
الأرض ليست فندقًا يمكن مغادرته إذا لم يعجبنا الطقس.
إنها بيتنا الوحيد الذي نعرفه.
ولهذا فإن معركة المستقبل ليست مع الطبيعة وحدها، بل مع غرور الإنسان أيضًا.
فالطبيعة لا تحتاج إلينا لكي تستمر؛ نحن الذين نحتاج إليها.
إذا اختفت بعض الأنواع، ستتغير النظم البيئية. وإذا تدهورت التربة، سيتراجع الغذاء. وإذا شحت المياه، ستتسع الصراعات. وإذا ارتفعت حرارة الكوكب، ستزداد الضغوط على الإنسان والاقتصاد والهجرة والأمن الغذائي.
لكن الطريق الآخر ما زال مفتوحًا.
يمكن للإنسان أن يتعلم الاقتصاد في الماء، وأن يعيد بناء التربة، وأن يحمي الغابات، وأن يوسع الطاقة النظيفة، وأن يطور مدنًا أكثر كفاءة، وأن يستثمر في العلم بدل الحرب، وأن يجعل التعاون الدولي ضرورةً لا ترفًا.
فالأرض لا تطلب منا المستحيل؛ إنها تطلب فقط ألا نتصرف وكأنها بلا حدود.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أن الأرض «رهيبة» كما تبدو لنا حين تهتز أو تثور أو تغرق.
ربما الرهبة الحقيقية في شيء آخر:
أن هذا الكوكب، بكل جباله وبحاره وغاباته ومخلوقاته، ظل قادرًا على احتضان الحياة لمليارات السنين، ثم جاء الإنسان خلال فترة قصيرة جدًا من عمر الأرض ليختبر حدود احتماله.
فهل ننجح في الاختبار؟
هل نتعلم أن الأرض ليست ملكًا لجيلنا، وإنما أمانةٌ في أيدينا؟
وهل نستطيع أن نُثبت أن أذكى مخلوقٍ على هذا الكوكب قادرٌ أيضًا على أن يكون أكثرها حكمة؟
تلك هي القضية.
وربما… هنا بيت القصيد.
بقلمي
د.عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
12.أغسطس.آب.2026م.
