24 أغسطس، 2026 - 12:44 صباحًا
ثقافة وفنون

قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ حقيقية.. حَتَّى الْمَلِكَةُ تَأْكُلُ بِيَدَيْهَا…!!.

عَبْدُ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي

د. عبد الرحيم الشويلي

«أَحْيَانًا، لَا يَحْتَاجُ الْمَوْقِفُ الْمُحْرِجُ إِلَى إِنْقَاذٍ… بَلْ إِلَى ضَحْكَةٍ!»

قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، قَادَتْنِي الصُّدْفَةُ إِلَى وَسَطِ لَنْدَن، وَهُنَاكَ، فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ مَسَاءً، قَادَنِي الْجُوعُ إِلَى مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنَ الصُّدْفَةِ نَفْسِهَا!
لَمْ أَتَنَاوَلْ طَوَالَ النَّهَارِ سِوَى بَيْضَتَيْنِ مَسْلُوقَتَيْنِ، وَكُوبِ شَايٍ، وَقِطْعَةِ خُبْزٍ صَغِيرَةٍ ابْتَلَعْتُهَا عَلَى عَجَلٍ. كَانَتْ مَعِدَتِي تُعْلِنُ الْعِصْيَانَ، حَتَّى جَذَبَتْنِي لَافِتَةُ مَطْعَمٍ إِيطَالِيٍّ لِلدَّجَاجِ اسْمُهُ «بُونْتِي»، فَدَخَلْتُ دُونَ تَرَدُّدٍ.
اخْتَرْتُ طَاوِلَةً فَارِغَةً وَجَلَسْتُ وَحِيدًا. وَعَلَى الطَّاوِلَةِ الْمُقَابِلَةِ كَانَتْ تَجْلِسُ سَيِّدَةٌ إِنْكِلِيزِيَّةٌ أَنِيقَةٌ، تَبْدُو فِي السَّبْعِينَاتِ مِنْ عُمْرِهَا، بِثِيَابٍ كِلَاسِيكِيَّةٍ وَمَلَامِحَ تَنْضَحُ بِالْوَقَارِ. أَوْمَأْتُ إِلَيْهَا بِرَأْسِي تَحِيَّةً، فَرَدَّتْ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ.
اقْتَرَبَ النَّادِلُ وَقَالَ:
— Sir, what type of chicken would you prefer? We have all kinds, including our special Italian-style chicken.
فَكَّرْتُ لَحْظَةً، ثُمَّ قُلْتُ:
— أُرِيدُ طَبَقَ سَلَطَةٍ يُونَانِيَّةٍ وَنِصْفَ دَجَاجَةٍ مَشْوِيَّةٍ، مِنْ فَضْلِكَ.
وَصَلَتِ السَّلَطَةُ وَالْمُقَبِّلَاتُ سَرِيعًا، فَبَدَأْتُ الْأَكْلَ بِنَهَمٍ، كَرَجُلٍ لَمْ يَرَ الطَّعَامَ مُنْذُ عَامٍ!
وَبَعْدَ نَحْوِ عِشْرِينَ دَقِيقَةً، ظَهَرَ النَّادِلُ يَحْمِلُ طَبَقَ الدَّجَاجِ. وَضَعَ نِصْفَ الدَّجَاجَةِ أَمَامِي، ثُمَّ قَالَ مُعْتَذِرًا:
— آسِفٌ عَلَى التَّأْخِيرِ، سَيِّدِي… هَذَا النَّوْعُ مِنَ الدَّجَاجِ الْمَشْوِيِّ لَا نُقَدِّمُهُ إِلَّا نَادِرًا.
نَظَرْتُ إِلَى الدَّجَاجَةِ، ثُمَّ إِلَى السِّكِّينِ وَالشَّوْكَةِ.
وَبَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ!
أَمْسَكْتُ السِّكِّينَ وَحَاوَلْتُ قَطْعَ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ، لَكِنَّ الدَّجَاجَةَ بَدَتْ وَكَأَنَّهَا دَخَلَتِ الْمَطْعَمَ لِتَنْتَقِمَ مِنِّي شَخْصِيًّا!
ضَغَطْتُ، وَقَطَعْتُ، وَحَاوَلْتُ مَرَّةً أُخْرَى… لَا شَيْءَ!
كَانَتْ صُلْبَةً كَالْحَجَرِ.
شَعَرْتُ بِالْحَرَجِ، خُصُوصًا أَنَّ السَّيِّدَةَ الْإِنْكِلِيزِيَّةَ بَدَأَتْ تُرَاقِبُ مُحَاوَلَاتِي بِصَمْتٍ.
ثُمَّ قَالَتْ، بِكُلِّ هُدُوءٍ، وَابْتِسَامَةٍ تَخْفِي وَرَاءَهَا شَيْئًا مِنَ الْفُكَاهَةِ:
— Sir, don’t feel embarrassed. You can use your hands when eating chicken. Even Her Majesty the Queen eats chicken with her hands.
تَوَقَّفَتْ يَدِي فِي الْهَوَاءِ.
حَتَّى الْمَلِكَةُ؟!
شَعَرْتُ أَنَّنِي أَمَامَ خِيَارَيْنِ: إِمَّا أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي مُصَارَعَةِ الدَّجَاجَةِ أَمَامَ السَّيِّدَةِ، أَوْ أَطْلُبَ طَبَقًا آخَرَ يَحْفَظُ مَا تَبَقَّى مِنْ هَيْبَتِي!
اسْتَدْعَيْتُ النَّادِلَ وَقُلْتُ:
— مِنْ فَضْلِكَ، أُرِيدُ طَبَقًا آخَرَ… دَجَاجًا مَطْبُوخًا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْإِيطَالِيَّةِ.
وَبِالْفِعْلِ، جَاءَ الطَّبَقُ الْجَدِيدُ.
هَذِهِ الْمَرَّةَ أَكَلْتُ بِهُدُوءٍ، كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ.
وَقَبْلَ أَنْ أَنْتَهِيَ مِنْ وَجْبَتِي، نَهَضَتِ السَّيِّدَةُ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَيَّ وَسَأَلَتْ بِفُضُولٍ:
— Where are you from?
أَجَبْتُهَا بِفَخْرٍ:
— From Iraq.
ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً مَاكِرَةً وَقَالَتْ:
— Are you so extravagant that you pay for a dish your hands haven’t even touched? No wonder you’re rich… you have a lot of oil wells!
تَجَمَّدْتُ لِلَحْظَةٍ.
ثُمَّ انْفَجَرْتُ ضَاحِكًا.
قُلْتُ لَهَا:
— سَيِّدَتِي، لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ بِئْرَ نَفْطٍ وَاحِدًا، لَطَلَبْتُ الْمَطْعَمَ بِأَكْمَلِهِ!
ضَحِكَتْ، وَلَوَّحَتْ لِي بِيَدِهَا، ثُمَّ غَادَرَتْ.
أَمَّا أَنَا، فَبَقِيتُ أَمَامَ دَجَاجَتِي الْجَدِيدَةِ، أَبْتَسِمُ وَحْدِي…
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، كُلَّمَا رَأَيْتُ دَجَاجَةً مَشْوِيَّةً، تَذَكَّرْتُ لَنْدَن، وَتَذَكَّرْتُ السَّيِّدَةَ الْإِنْكِلِيزِيَّةَ، وَتَذَكَّرْتُ أَنَّنِي تَعَلَّمْتُ دَرْسًا مُهِمًّا جِدًّا:
لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ دَائِمًا فِي طَرِيقَةِ أَكْلِ الدَّجَاجِ… بَلْ فِي الدَّجَاجَةِ نَفْسِهَا!

بِقَلَمِي
عَبْدُ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي
الْقَاهِرَةُ
23.أغسطس.آب.2026م.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94820