15 يونيو، 2026 - 2:56 مساءً
مقالات وآراء

 طبيعة المسار لاستراتيجية ايران الجيوسياسية في اقليم الشرق الاوسط.. بقلم الاستاذ الدكتور طارق السامرائي

الشرق الأوسط بين مشروعي أمريكي غربي ومشروع صهيوني إيراني

احتلت ايران موقعا بارزاً في مجمل قضايا السياسة في منطقة الشرق الأوسط وربما تجاوزت وعملت علي المشاركة في قضايا دولية عابرة للقارات وحساسة انطلاقاً من إحساسها بوزنها وثقل مكانتها ومثال ذلك ( دعمها روسيا في الحرب الاوكرانية وكذلك إمداد حلفاؤها في أفريقيا وأمريكا الاتينية مالياً وعسكرياً)في محاولة للتأثير عبر ادوار مختلفة ومتلونة الاساليب لكنها تصب في بودقة واحدة وهي (ان تحظي ايران بمكانة متقدمة في شكل النظام الدولي الجديد والذي لم تعد الولايات المتحدة الأميركية هي القطب الواحد )بمعني ان الاستيعلاء الايراني يدفعها في ان تصبح دولة (فوق الاقليمية ، وعالمية )وهذا الأمر هو ما يعنينا في تشريح (هوية ايران في سياستها الخارجية تجاه اولا اقليم الشرق الاوسط وثانيا العالم ).
البداية

علي سبيل التحديد فان (استراتيجية طهران الجيوسياسية الكلاسيكية وأدواتها (الصلبة والناعمة )والبرهنة علي تقمص الدور ونجاحه كاملاً،أبان العقدتين(النووية والسياسية)بعد طوفان الاقصي وسقوط نظام حافظ -بشار الاسد في سوريا (الكارثة المؤلمة لايران ).
فقدان نظام سوريا أفقئ عيون ايران
————————————————-
صباح 8 ديسمبر 2024 يوم سقوط حكم عائلة الاسد والتي دام من(1971-2024) كان زلزالا وألم عميق في طهران ،لان هذا النظام كان يمثل الدرع المرادف في في (استراتيجية طوق محور المقاومة والذي تبنته ايران حول إسرائيل)
سقوط نظام الاسد كان (يعتبر جوهرة التاج في لنظرية خسارة ايران لاستراتجيتها الواسعة ،كما يعني أن محور المقاومة فقد مركز ارتكازه )
وهذا ما يستدعي ايران الي البحث عن نظرية إقليمية جديدة ربما تتغير فيها استراتيجيها السياسية وتجبر علي اتباع سلوك جديد في النووي تجاه العالم والإقليم .
وعودة الي ما يعزز هذا الطرح ،قبل 14 شهراً من هذا التاريخ أعلاه شهدت منطقة (غلاف غزة ) الفلسطينية المحتلة عملية (طوفان الاقصي)والتي اندلعت في 7 اكتوبر عام 2023 تبعها عمليات وحروب عسكرية اسرائيلية علي الأراضي الفلسطينية!
والسؤال هنا :-
لماذا لم تزج ايران نفسها في الحرب دفاعاً عن فلسطين ،وهي التي دوماً تهدد بمحو اسرائيل من علي خارطة المنطقة ؟؟؟
وللإجابة عليه :-
علينا اولا ان نفهم بعمق السياسة الإيرانية والتي لا تري بالعين المجردة

لماذا لم تتدخل ايران في الحرب نصرة لفلسطين وهي التي دوماً تهدد بمحو اسرائيل من علي خارطة المنطقة ؟؟؟؟
وللإجابة علي هذا السؤال لابد اولا من توفير الفهم العميق لطبيعة السياسة الإيرانية التي لا تري بالعين المجردة .السؤال هو عبارة عن (علامة استفهام لطبيعة الدور الإيراني وأدوات تاثيره في المنطقة العربية ،لذلك لابد من الذهاب الي (10) عوامل رئيسية في هذا المضمار :-
1-تعاني العقلية الإيرانية نخبًا مثقفة ونظاماً سياسياً عبر التاريخ من (عقدة العزلة الاستراتيجية)والتي هي فرضتها علي نفسها لشعورها المتأصل بها (الانكشاف الاستراتيجي) امام الاعداء والغزاة (الغزو المغولي عام 1209-والغزو الأنجلو سوفييتي عام 1941)
والتي خلقت لديهم شعوراً مزمناً بانعدام الامن.
2- ومما فاقم من مشكلة (الشخصية الايرانية)هو (عقدة الشعور الدائم بالتفوق والكبرياء القومي والظهور الحضاري علي الآخرين )تبعاً لامجادها في حقب التاريخ وذلك بسبب:-
تفوقهم علي علي الروم وتفوق عساكرهم وثبات هويتهم اللغوية الثقافية دون تغيير حتي في مرحلة الفتح العربي الإسلامي لذلك فهو ربما (البلد الوحيد الذي قبل بالإسلام ولم يقبل اللغة العربية كثقافة مترادفة مع الدين حفظا للغة القومية الفارسية )وهو دليل علي النعرة العنصرية الفارسية والتباهي بالعلو والغلو .
3- لقد أثر العاملين السابقين في سلوك وشخصية صناع القرار لايران ولجأؤوا الي (التوسع كسياسةعلي حساب البلدان تخلصا من عقدة العزلة الجغرافية ) فسياسة التوسع تعبر عن (نقص نفسي تحول الي تطبيق )وهو شعور بالسيطرة والتفوق يرمي الي الخروج من شرنقة الضيق الجغرافي الي فضاءات جغرافية اوسع .
وهذا ما يفسر دعمها للجماعات والميليشيات المسلحة وتأليب الطيف الشيعي وتكريس عامل الحق بالولاية الدينية )خاصة في منطق الإقليم المجاورة (العراق والإمارات والبحرين )
4- ورثت ايران منذ خميني (الثورة الإسلامية هذا السلوك من ؟نظام محمد رضا بهلوي )من عام 1941-1979 ،فقد ساق الشاه عمليات الدعم للجماعات سواء كانت (طائفية او ذيلية تابعة )وتمويلها مالياً ولوجستيا ومنها (دعم الاحزاب الكردية في شمال العراق ضد نظام صدام حسين -وازمة ظفار العمانية – ودعم نظام السلطان سعيد بن تيمور للقضاء علي جبهة تحرير ظفار وساهم في التدخل بازمة (اليمن ودعم نظام الامام محمد البدر حميد الدين)وهو نفس السيناريو الحالي لنظام المرشد الاعلي في (دعم الجماعات والأنظمة الموالية -حزب الله -نظام الاسد -الحوثيين -حماس-الجهاد الإسلامي -ميلشيات العراق ونظامه السياسي ).
5- لم تكن هناك فوارق متباينة في سلوكيات الأنظمة الإيرانية من حيث تجذير الطابع الديني وتحقيق موضع قدم للخروج من بوتقة الاختناق الجغرافي الي جغرافية جديدة اوسع وأكبر مساحة وتحت شعار (الهلال الايراني الخصيب )وهي سوريا والأردن والعراق ولبنان .
هذا الشعور بالنقص دفع ايران لحب(سياسة التوسع )لانها من قبل دافع (اللعنة الجغرافية )وتعزيز (الشعور بالكبرياء )و(الشعور بالتفوق الحضاري )و(نقل الصراعات الداخلية الي الي البيئات المجاورة لكي تبقي في حيز الامان ).
6- لانجاح هذا الدور اسست إيران استراتيجيتها الجيو سياسية المستدامة علي (استخدام الأسلوب العسكري – الولوج غير الشرعي الي جغرافيات تحددها مصالحها لكل مرحلة – انشاء قواعد ميلشاوية – بناء شبكات من التحالفات الطائفية- بناء علاقات برمغماتيةالعابرة للدين والمذهب مع شركاء ضد كل قوي العداء معها (العلاقات الإيرانية الليبية – العلاقات السورية الإيرانية -العلاقات مع الاخوان المسلمين -العلاقات مع الاكراد -العلاقات مع بعض القوي الفلسطينية)وهي بذلك ولاجل مصالحها ضد اعداؤها وخاصة نظام البعث في العراق تقفز فوق جدران

نفس السيناريو الذي تلعبه الان ايران في زمن المرشد الاعلي وولاية الفقيه فهي تدعم الجماعات والميليشيات مالياً وعسكريا وربما أنظمة مثل العراق وسوريا واليمن وحزب الله لبنان وحماس والجهاد الاسلامي وبعض الحراك في وسط افريقيا وشمالها .
5- وكما كان سلوك بهلوي الشاه في سياسته الايرانية المذهبية التوسعية والغرور والمكابرة بات حاليا هذا السيناريو سلوكا لنظام ولاية الفقيه ومرشد الدولة وهو مشاركة منتظمة فكرياً في طبيعة السلوكيات سواء كان النظام اسلامي او تابع ذيلي وهو ما أدعوه شخصيا ((محاولة للتخلص من لعنة الجغرافية وتعزيز (النقص بالشعور بالكبرياء -التفوق الحضاري -ونقل الصراعات الداخلية الي الجوار الخارجي – وتكميم المواقف عن حقوق شعوب الايران وفي مقدمتها قضية الأحواز العربية ))).
6-ولاجل نجاح هذا السيناريو اسست ايران (استراتيجية جيوسياسية مستدامة في استخدام الطابع العسكري -والولوج إلي جغرافية دول الإقليم خدمة لمصالحها وعبر عدة وسائل وهي :-
A-انشاء ميليشيات وقواعدها العسكرية
B-بناء تحالفات مباشرة او مستترة مع أنظمة لحماية سياستها واعوجاجاتها مثل سوريا والعراق واليمن وعمان .C- بناء شبكة من العلاقات البرغماتية العابرة للمسائل الدينية والمذهبية مع شركاء في دول الإقليم ( سوريا -العراق-جماعات جهادية سنية وفلسطينية -الحوثيين في اليمن -حزب الله لبنان -الاخوان المسلمين في مصر -ليبيا -وسط افريقيا -شمال افريقيا ).
وهي في بعض الحالات تقفز فوق الجدران لغرض تحقيق الجيو سياسية
7- ولاجل تحقيق هذه الأهداف لجأت ايران الي تاسيس (البرنامج النووي )والتصنيع العسكري لاعتبار عنصري القوة والصلابة فيهما .
استخدمت ايران أدوات القوي الناعمة جنباً إلى جنب مع القوة الصلبة ويظهر هذا المشهد في (مروحة من السياسات المنظمة مثل (تمويل ودعم الاحزاب التطرفية ضد انظمتها الحاكمة -انشاء مدارس وجامعات ومعاهد تبث السموم المذهبية – دعم الاعلام لصالحها -بناء شركات استثمارية وخدمات اجتماعية -بناء حسينيات ومنابر اجتهادية فقهية -تقديم مجانية التعليم في جامعات ايران )

8- الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته حكومة ونظام الملالي ولثورة الإسلامية الإيرانية انها لم تشترك فعلياً في عملة (طوفان الاقصي والذي أعلنت عنه دوماً انها تقف مع حماس استراتيجياً وقبلت ان تكون في موقف المدافع وتكتفي بادوار الحوثيين وحزب الله وبعض المناوشات الغزلية في العراق من قبل المليشيات الطائفية.
اكتفت ايران بالتنديد بالعدوان الاسرائيلي الأمريكي والإبادة الجماعية مما قدم انطباعاً اقليميا ودوليا ان ((ايران كانت في موقع المتفرج للتطورات القتالية المتلاحقة علي غزة وعموم الأراضي الفلسطينية ،ولم يكن رد فعلها متناسب مع أقوالها وتعهداتها.
9- كانت سوريا بمثابة القلب النابض لايران منذ عام 1979 ومن أهم حلقات نفوذها الاقليمي ،حيث صرح عدد من قيادات ايران دولة الفقيه ان (سوريا هي المحافظة ال35 لايران وانها أهم من الإقليم العربي الاحوازي )ومن أيد هذا القول هو ((آية الله مهدي طائب)).
فقد شكلت سوريا في وقتها الركيزة الأساسية لنظام ملالي ايران ،وان أمن ايران من أمن سوريا .
10- نتيجة لما تقدم من تحليل لطبيعة استراتيجية الجيوسياسية الإيرانية في اقليم عرب الشرق الأوسط ان ايران تجد نفسها بعد سقوط (نظام بشار الاسد كنزها المفقود )في 8 ديسمبر 2024 في وضع ضعيف هيكلياً علي المستويين :- الاستراتيجي -الاقتصادي وربما بل علي الأكثر سيعمل (تغييرا جبريا في العقيدة النووية والسياسية الخارجية لايران ).
لذلك (تناور ايران في المرحلة الحالية علي ( (بطاقتها السياسية ) وهي في موقف حرج في (اتخاذ قرار صعب سياسي ينطوي علي مقامرة ومغامرة وهو سلاح ذو حدين
فاما الإعلان عن النووي والتخصيب علي حقيقته واما المماطلة والتمويه وكلاهما غصة لايران .
استاذ دكتور طارق السامرائي
استاذ علوم نفسية -جامعة كنساس -امريكا

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93380