24 يوليو، 2026 - 7:38 مساءً
ثقافة وفنونسليدر

قبل اكتمال القرن… حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن.. بقلم/ أكرم توفيق

قبل اكتمال القرن… حين تتحول الرواية إلى ذاكرة وطن

 

ثمة روايات نقرأها وأخرى تقرؤنا.. وثمة نصوص نغلق صفحاتها عند النهاية بينما تظل شخصياتها وأسئلتها مفتوحة في الوجدان.
ورواية (قبل اكتمال القرن) للروائية ذكرى محمد نادر تنتمي بجدارة إلى هذا النوع من الأعمال فهي ليست رواية عن الحرب وحدها ولا عن قرن مضى وإنما هي رواية عن الإنسان العراقي وهو يعبر قرنا مثقلا بالحروب والانقلابات والتحولات الاجتماعية. محاولا أن يحتفظ بما تبقى من إنسانيته.
تنسج الكاتبة روايتها عبر مصائر عدد من الشخصيات التي تتقاطع حياتها في فضاء وطن أنهكته الحروب.
فالمهلب والوضاح ومراثي وسبل والجهم والوليد. ومرتضى. والقادرية. وغيرهم لا يمثلون أفرادا معزولين بقدر ما يجسد كل منهم وجها من وجوه العراق. فهناك الجندي الذي يحمل أعباء الحرب إلى ما بعد انتهائها. والمرأة التي تحيا على الانتظار. والأب الذي تلاحقه أسئلة الفقد. والأسير الذي يعود محملا بخراب الذاكرة. والإنسان الذي يبحث عن معنى للحياة وسط ركام وطن يتغير باستمرار.
ومن خلال هذه المصائر المتشابكة يتحول الخاص إلى عام ويصبح الألم الشخصي صورة مكثفة لمأساة وطن بأكمله.
ليست (قبل اكتمال القرن) مجرد عمل يؤرخ للمائة عام الأخيرة من تاريخ العراق وإنما هي محاولة لإعادة كتابة هذا التاريخ من زاوية الإنسان الذي وجد نفسه دائما في مواجهة سلطة العنف وتقلبات السياسة. وانكسارات المجتمع. فمنذ الصفحات الأولى تدرك الروائية أن التاريخ الرسمي لا يقول كل شيء وأن الوثائق لا تحتفظ إلا بجزء من الحقيقة لذلك تمنح السرد مهمة استعادة ما أغفلته الوقائع. وما أخفته الروايات الرسمية. وما اختزنته الذاكرة الجمعية من آلام وصمت وخسارات.
لقد أنجزت ذكرى محمد نادر رواية تتجاوز الحكاية الفردية إلى الحكاية الوطنية. فالشخصيات لا تُقرأ بوصفها أفرادا منفصلين. بل مرايا تعكس تحولات العراق خلال قرن كامل حتى يصبح المصير الشخصي امتدادا للمصير الجمعي. ويتحول الألم الخاص إلى جزء من مأساة وطن بأكمله.
ومن أبرز منجزات الرواية أنها لا تجعل الحرب حدثا عسكريا بقدر ما تجعلها حالة وجودية.
فهي تبدأ قبل إطلاق الرصاص ولا تنتهي بتوقف المعارك لأن آثارها تستقر في الذاكرة وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل. ولهذا تبدو الانكسارات النفسية أكثر حضورا من الجروح الجسدية فالأسير الذي يعود فاقدا لذاكرته والجندي الذي يعجز عن مسامحة نفسه لأنه ترك رفيقه في ساحة القتال والأخت التي تواصل البحث عن أخيها سنوات طويلة والأب الذي يكتشف أبوته متأخرا جميعهم يثبتون أن الحروب الحقيقية هي تلك التي تستمر في الأرواح بعد أن تصمت المدافع.
ولعل أكثر ما يميز الرواية هو عمقها السيكولوجي فالشخصيات لا تواجه العنف الخارجي فحسب بل تصارع الخراب الذي خلفه ذلك العنف في دواخلها.
إنها شخصيات مأزومة لكنها لا تفقد إنسانيتها ولذلك جاءت علاقاتها متشابكة تتأرجح بين الحب والخذلان وبين الوفاء والانكسار وبين الأمل واليأس حتى بدت الذاكرة نفسها ساحة معركة لا تقل قسوة عن ميادين الحرب.
وتنجح الكاتبة كذلك في بناء شبكة من العلاقات الإنسانية التي تجعل القارئ قريبا من شخصياتها فلا تبدو مجرد أدوات لتحريك الأحداث بل كائنات نابضة بالحياة تحمل تناقضاتها وأحلامها وخيباتها وتمنح السرد حرارة إنسانية تجعل المأساة أكثر تأثيرا وأبعد من حدود التوثيق التاريخي.
وفي الصفحات الأخيرة تبلغ الرواية ذروة تأثيرها الإنساني.
فالجندي العائد لا يروي معركة بل يروي انهيار الإنسان أمام الجحيم فيما يتحول الوضاح إلى رمز أخلاقي للمقاومة والوفاء وهو يرفض التراجع ويصرخ (إلى الأمام) ثم يحفر بيديه في التراب بحثا عن رفاقه المدفونين.
إنها صورة روائية ستظل من أكثر المشاهد رسوخا في الذاكرة لأنها لا تمجد الحرب بل تمجد الإنسان الذي يحاول إنقاذ إنسانيته وسطها.
أما المشهد الختامي حين ترفع مراثي السراج على الشرفة وتهمس (ربما يأتي أحد) فهو من أجمل النهايات المفتوحة في الرواية العراقية الحديثة.
فالسراج هنا ليس انتظارا لشخص بعينه بل انتظار للخلاص وعودة الغائبين واستعادة الوطن الذي تاه بين الحروب. إنها خاتمة تترك القارئ أمام سؤال لا ينتهي بدلا من أن تمنحه جوابا جاهزا.
وعلى المستوى الفني تمتلك الرواية بناء سرديا متماسكا يقوم على تداخل الأزمنة حيث تتجاور الذاكرة مع الحاضر ويتداخل الخاص بالعام دون أن يفقد النص وحدته.
وهذا البناء ليس مجرد تقنية سردية بل ينسجم مع طبيعة الذاكرة العراقية التي لا تستعيد الماضي بوصفه زمنا منقضيا وإنما باعتباره حاضرا مستمرا في تشكيل الوعي.
أما اللغة فهي واحدة من أبرز عناصر نجاح الرواية.
فقد كتبت ذكرى محمد نادر بلغة تمتلك حساسية شعرية عالية لكنها لا تقع في فخ الزخرفة أو الاستعراض البلاغي.
إنها لغة شفافة تتسع للصورة والاستعارة والرمز ثم تعود بانسيابية إلى الاقتصاد السردي حين يتطلب الحدث ذلك فأصبحت اللغة نفسها جزءا من بناء المعنى لا مجرد وعاء له.

ويحمل عنوان (قبل اكتمال القرن) قيمة رمزية عميقة فهو لا يحيل إلى زمن تقويمي فحسب بل إلى قرن لم يكتمل إنسانيا لأن الحروب والانكسارات كانت أسرع من اكتمال أحلام الإنسان.
ومن هنا يغدو عدم الاكتمال حالة وجودية تلازم الشخصيات كما تلازم الوطن نفسه.
بعد أن أنهيت قراءة الرواية الممتدة على 436 صفحة لم أشعر بأنني أغلقت كتابا بل كأنني خرجت من حياة كاملة عشت فيها مع شخصيات ستظل عالقة في الذاكرة.
وهذه في تقديري هي السمة التي تميز الأعمال الروائية الكبيرة فهي لا تُقرأ مرة واحدة بل تستمر في قراءة قارئها وتدعوه إلى مراجعة مفاهيمه عن الحرب والوطن والإنسان والذاكرة.
لقد قدمت ذكرى محمد نادر في (قبل اكتمال القرن) رواية تؤسس لمشروع سردي ينظر إلى التاريخ بعين الإنسان لا بعين السلطة ويعيد الاعتبار لذاكرة المهمشين والمنكسرين بعيدا عن الشعارات والخطابات المباشرة.
وإذا كانت روايتها اللاحقة (القرن بعد اكتماله) قد واصلت مساءلة ما خلّفه القرن من ندوب وأسئلة فإن (قبل اكتمال القرن) تبقى الأساس الفني والفكري لهذا المشروع، واللبنة الأولى لواحدة من أهم التجارب الروائية العراقية المعاصرة في مساءلة قرن من الخراب وتحويل الألم الوطني إلى أدب رفيع يظل حيا في ذاكرة قرائه.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93953