بعد أربعة عشر عاماً على استشهاد يعقوب سعود سليم، عادت صورته أخيراً إلى شوارع مدينة الشدادي في محافظة الحسكة، في لحظة تختصر سنوات طويلة من القهر والحرمان. شقيق الشهيد، الذي عاش في الشدادي طوال تلك السنوات، لم يكن عاجزاً عن إحياء ذكرى أخيه بسبب النسيان، بل بسبب الخوف المفروض بقوة السلاح، حيث كان رفع صورة الشهيد أو ذكر اسمه محرّماً في ظل سيطرة قسد.
يعقوب، الذي ارتقى شهيداً في مدينة الرستن الحرة على حاجز مردود، لم يكن ابن منطقة واحدة، بل واحداً من أبناء الثورة السورية الذين حملوا قضيتهم حيثما وُجدوا. واستشهاده بعيداً عن مسقط رأسه كان دليلاً واضحاً على أن أهل الثورة كانوا واحداً في كل ربوع سوريا، وأن الدم السوري امتزج من الحسكة إلى حمص، ومن الشدادي إلى الرستن، دون اعتبار للجغرافيا أو الانتماءات الضيقة.
ولا يمكن الحديث عن الشهيد يعقوب دون التوقف عند مدينة الرستن، هذه المدينة التي شكّلت واحدة من أبرز قلاع الثورة السورية، وكانت من آخر المدن التي صمدت ورفضت الاستسلام قبل أن تُسلَّم للنظام، ليُفرض على أهلها بعدها التهجير القسري إلى الشمال السوري. الرستن لم تكن مجرد مدينة خارجة عن السيطرة، بل رمزاً للصمود والكرامة، ودفع أهلها ثمناً باهظاً من بيوتهم وأمنهم واستقرارهم لأنهم احتضنوا الثورة منذ أيامها الأولى.
وخلال سنوات الثورة، كانت الرستن معقلاً للجيش السوري الحر، وحاضنةً للمنشقين من مختلف المحافظات السورية، فتحت أبوابها وقلوبها لكل من رفض أن يكون أداة قتل بيد النظام. وعلى أرضها ارتقى الكثير من الشهداء من أبنائها ومن أبناء سوريا كافة، لتغدو شوارعها شاهداً حياً على وحدة الدم والمصير، وعلى أن الثورة لم تكن يوماً ثورة مدينة واحدة، بل ثورة شعب كامل.
في المقابل، فرضت قسد على مدينة الشدادي واقعاً قائماً على القمع ومنع الرموز الثورية، وملاحقة كل ما يمتّ للثورة بصلة، في ممارسات لم تختلف في جوهرها عن ممارسات نظام بشار الأسد. لم يكن القمع موجهاً ضد السلاح فقط، بل ضد الذاكرة والهوية والانتماء الوطني، حتى باتت صورة شهيد جريمة، وذكراه تهمة.
تحرير مدينة الشدادي شكّل تحريراً للذاكرة قبل الأرض. ورفع صورة الشهيد بعد أربعة عشر عاماً كان إعلاناً صريحاً عن فشل محاولات الطمس، ورسالة بأن الشهداء لا يسقطون بالتقادم، وأن الحق لا يُمحى مهما طال الزمن.
اليوم، ومع هذا التحرير، يتأكد أن مشروع قسد الانفصالي قد انتهى إلى غير رجعة. ذلك المشروع الذي قام على فرض الأمر الواقع وتقسيم المجتمع وإلغاء الهوية الوطنية الجامعة، سقط أمام حقيقة راسخة: سوريا دولة واحدة لا تتجزأ. ومع سقوط هذا المشروع، يعود عصر الدولة، وتعود معه مفاهيم القانون والمؤسسات والشرعية، بعيداً عن الميليشيات والمشاريع الطارئة.
إن عودة صورة الشهيد يعقوب سعود سليم إلى الشدادي ليست مجرد لافتة على جدار، بل شهادة سياسية وأخلاقية على نهاية مرحلة مظلمة، وبداية مرحلة جديدة يُفترض أن تُبنى على حفظ التضحيات، وصون وحدة الأرض والشعب، وفاءً لدماء الشهداء الذين ارتقوا من أجل سوريا الحرة الواحدة.
