حِينَ سَقَطَتْ بَغْدَادُ فِي نَيْسَانَ عَامِ 2003م، تَحْتَ وَقْعِ البَسَاطِيلِ الَّتِي دَنَّسَتْ أَرْضَهَا، لَمْ يَكُنْ مَا جَرَى مُجَرَّدَ تَبَدُّلٍ فِي السُّلْطَةِ أَوِ انْهِيارٍ لِنِظَامٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ كَانَ انْهِيارًا مُفَاجِئًا لِلدَّوْلَةِ بِكُلِّ مَا تُمَثِّلُهُ مِنْ هَيْبَةٍ وَقَانُونٍ وَنِظَامٍ. وَفِي لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَجَدَتِ الْمَدِينَةُ نَفْسَهَا عَارِيَةً أَمَامَ الْفَوْضَى، كَجَسَدٍ تُرِكَ بِلَا رُوحٍ.
عِشْتُ تِلْكَ الْأَيَّامَ الْمُرْعِبَةَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهَا. كُنْتُ أَسْكُنُ فِي بَغْدَادَ الْجَدِيدَةِ، حَيْثُ تَحَوَّلَتْ سَاحَةُ وُقُوفِ السَّيَّارَاتِ الْمُقَابِلَةُ لِعِمَارَةِ الْكُبَيْسِي التِّجَارِيَّةِ إِلَى مَشْهَدٍ لَمْ أَكُنْ أَتَصَوَّرُ يَوْمًا أَنْ أَرَاهُ فِي عَاصِمَةٍ عَرِيقَةٍ مِثْلَ بَغْدَادَ. فَخِلَالَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، تَبَدَّلَتْ مَعَالِمُ الْمَكَانِ، وَغَدَتِ السَّاحَةُ سُوقًا عَشْوَائِيَّةً مَفْتُوحَةً، تُعْرَضُ فِيهَا الْأَشْيَاءُ الَّتِي كَانَتْ بِالْأَمْسِ الْقَرِيبِ مُحَرَّمَةً أَوْ نَادِرَةَ الْمَنَالِ، مِنْ دُونِ رَقِيبٍ أَوْ حَسِيبٍ.
كَانَتْ مَخَازِنُ الْجَيْشِ وَمُعَسْكَرَاتُهُ قَدْ تُرِكَتْ نَهْبًا لِلْفَوْضَى، وَكَانَ مُعَسْكَرُ الرَّشِيدِ الْقَرِيبُ وَاحِدًا مِنْ أَبْرَزِ تِلْكَ الْمَوَاقِعِ الَّتِي فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا عَلَى مَصَارِيعِهَا. وَمِنْ هُنَاكَ تَدَفَّقَ السِّلَاحُ إِلَى الشَّوَارِعِ كَمَا تَتَدَفَّقُ الْمِيَاهُ مِنْ سَدٍّ مُتَهَدِّمٍ؛ بَنَادِقُ وَمَسَدَّسَاتٌ وَقَنَابِلُ يَدَوِيَّةٌ وَقَاذِفَاتٌ وَصُنُوفٌ لَا تُحْصَى مِنَ الذَّخَائِرِ وَالْمُسْتَلْزَمَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ، انْتَقَلَتْ مِنَ الْمُسْتَوْدَعَاتِ إِلَى أَيْدِي الْمَدَنِيِّينَ وَرِجَالِ الْعِصَابَاتِ وَالْمُجْرِمِينَ فِي مَشْهَدٍ يُنْذِرُ بِمُسْتَقْبَلٍ مُظْلِمٍ.
دَفَعَتْنِي الرَّغْبَةُ إِلَى الِاقْتِرَابِ مِنْ تِلْكَ الْأَسْوَاقِ لِأَرَى بِعَيْنِي مَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ مِنْ رِوَايَاتٍ يَصْعُبُ تَصْدِيقُهَا، لَكِنَّ الْخَوْفَ كَانَ أَقْوَى مِنَ الْفُضُولِ. اكْتَفَيْتُ بِالْمُرَاقَبَةِ مِنْ مَسَافَةٍ آمِنَةٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَصْوَاتُ الرَّصَاصِ تُمَزِّقُ الْهَوَاءَ بِلَا انْقِطَاعٍ، وَتَخْتَلِطُ بِضَجِيجِ الْبَاعَةِ وَالْمُتَجَمْهِرِينَ. كَانَتِ الْوُجُوهُ الَّتِي تَمْلَأُ الْمَكَانَ غَرِيبَةً عَنْ ذَاكِرَتِي؛ وُجُوهًا قَاسِيَةً، مُتَحَفِّزَةً، تَحْمِلُ مَلَامِحَ زَمَنٍ خَرَجَ تَوًّا مِنْ رَحِمِ الْفَوْضَى.
رَأَيْتُ بِأُمِّ عَيْنِي بَنَادِقَ الْكَلَاشْنِكُوفِ مُصْطَفَّةً فَوْقَ الْأَرْصِفَةِ، إِلَى جَانِبِ الْمَسَدَّسَاتِ وَالْقَنَابِلِ الْيَدَوِيَّةِ وَقَذَائِفِ الـRPG، فَضْلًا عَنِ النَّوَاظِيرِ اللَّيْلِيَّةِ وَمَخَازِنِ الْعَتَادِ وَسَائِرِ التَّجْهِيزَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ. كَانَتْ تُبَاعُ عَلَنًا كَمَا تُبَاعُ الْخَضْرَوَاتُ أَوِ الْأَدَوَاتُ الْمَنْزِلِيَّةُ فِي الْأَسْوَاقِ الشَّعْبِيَّةِ. كُلُّ شَيْءٍ كَانَ مَعْرُوضًا لِلْبَيْعِ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ مُتَاحًا لِمَنْ يَدْفَعُ، وَبِأَسْعَارٍ لَا تَكَادُ تُصَدَّقُ.
وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْأَمْرُ عَلَى تِجَارَةِ السِّلَاحِ وَحْدَهَا، بَلْ ظَهَرَتْ إِلَى جَانِبِهَا بَسَطَاتٌ أُخْرَى لِبَيْعِ الْمَشْرُوبَاتِ الْكُحُولِيَّةِ الْمُسْتَوْرَدَةِ بِمُخْتَلِفِ أَنْوَاعِهَا. وَانْتَشَرَتْ تِلْكَ الظَّاهِرَةُ فِي مَنَاطِقَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ بَغْدَادَ؛ فِي الْكَرَّادَةِ وَالْعَرَصَاتِ وَالْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَالْبَتَاوِينِ وَغَيْرِهَا. بَدَا الْمَشْهَدُ وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ قَدْ فَقَدَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً جَمِيعَ الضَّوَابِطِ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَكَّمُ بِإِيقَاعِ حَيَاتِهَا.
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ الَّتِي وَقَفْتُ فِيهَا وَحِيدًا أُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ مِنْ بَعِيدٍ. كُنْتُ مَذْهُولًا إِلَى حَدِّ الصَّمْتِ. السُّوقُ يَغْلِي كَمِرْجَلٍ مَفْتُوحٍ، وَالْبَشَرُ يَتَحَرَّكُونَ فِيهِ كَأَمْوَاجٍ مُضْطَرِبَةٍ لَا تَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ تَتَّجِهُ. رِجَالٌ مِنْ مُخْتَلِفِ الْأَعْمَارِ يَشْتَرُونَ الْقَنَانِي وَيَشْرَبُونَ مِنْهَا مُبَاشَرَةً فِي الشَّارِعِ، فِيمَا يَحْمِلُ آخَرُونَ زُجَاجَاتِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ وَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى بَسَطَاتِ السِّلَاحِ لِلتَّفَاوُضِ عَلَى شِرَاءِ مُسَدَّسٍ أَوْ بُنْدُقِيَّةٍ.
وَكَانَ بَعْضُ الْمُشْتَرِينَ يَطْلُبُونَ تَجْرِبَةَ السِّلَاحِ قَبْلَ دَفْعِ ثَمَنِهِ، فَيَتَنَاوَلُونَهُ وَيُطْلِقُونَ عِدَّةَ عِيَارَاتٍ نَارِيَّةٍ فِي السَّمَاءِ، وَأَحْيَانًا فَوْقَ رُؤُوسِ النَّاسِ أَنْفُسِهِمْ، وَسْطَ ضَحِكَاتِ الْمُتَفَرِّجِينَ وَصَخَبِ السُّوقِ. كَانَ مَشْهَدًا سُرْيَالِيًّا، أَقْرَبَ إِلَى كَابُوسٍ مَفْتُوحٍ مِنْهُ إِلَى وَاقِعٍ تَعِيشُهُ مَدِينَةٌ كَانَتْ حَتَّى الْأَمْسِ الْقَرِيبِ عَاصِمَةً لِدَوْلَةٍ قَائِمَةٍ.
مَرَّتِ السِّنُونَ، لَكِنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ مَا زَالَتْ عَالِقَةً فِي ذَاكِرَتِي كَمَا لَوْ أَنَّهَا حَدَثَتْ بِالْأَمْسِ. كُلَّمَا اسْتَعَدْتُهَا شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ سُوقًا أَوْ حَادِثَةً عَابِرَةً، بَلْ أَتَذَكَّرُ لَحْظَةً تَارِيخِيَّةً انْكَسَرَتْ فِيهَا الْحُدُودُ بَيْنَ النِّظَامِ وَالْفَوْضَى، وَبَيْنَ الدَّوْلَةِ وَاللَّا دَوْلَةِ. إِنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ أَكْثَرِ الصَّفَحَاتِ قَسْوَةً فِي ذَاكِرَتِي؛ صَفْحَةٌ أَثْقَلَتْهَا الْحُرُوبُ وَالْحِصَارُ ثُمَّ الِاحْتِلَالُ، وَمَا زَالَتْ آثَارُهَا مَحْفُورَةً فِي أَعْمَاقِ الرُّوحِ…
مِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَات/ (1) أَيَّامُ الانْفِلَات.. بقلم/الدكتور عبدالرحيم الشويلي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=93607
