يضرب العراقيون مثلاً شعبياً بليغاً يقول: «اللي ما رضي بالجِزّة… رضي بالجِزّة والخروف». ويُقال هذا المثل لمن يرفض تسويةً ممكنة أو فرصةً متاحة، ثم يكتشف مع مرور الزمن أن الفرصة قد ضاعت، وأن الثمن الذي سيدفعه أصبح أكبر بكثير مما كان يمكن أن يتحمله في البداية.
ولعل هذا المثل يحضر في أذهان كثيرين عند التأمل في القضية الفلسطينية. فقبل عقود طُرحت مبادرات وتسويات متعددة، ومنها اتفاق 67، ورغم ما أحاط بتلك الطروحات من اعتراضات وملاحظات، فإن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه آنذاك. فالاستيطان يتوسع، والوقائع على الأرض تتغير باستمرار، والحديث عن حل الدولتين يواجه تحديات متزايدة، بينما تتراجع فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة كما كان يُتصور في مراحل سابقة.
لقد علّمنا التاريخ أن الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، وأن الصراعات الطويلة لا تتوقف عند حدودها الأولى، بل تُنتج مع مرور الزمن حقائق جديدة، قد تكون أشد قسوة وأكثر صعوبة في التعامل معها.
ومن هنا تبرز حكمة العراقيين القديمة؛ فهي تذكرنا بأن إدارة الصراع لا تقوم على الأمنيات وحدها، بل على قراءة دقيقة للواقع، وفهم موازين القوى، واستثمار ما هو ممكن قبل أن يصبح مستحيلاً.
وهنا لا بد من التأكيد على حقيقة تستحق التأمل:
إن التمسك بالمبادئ حق مشروع، لكن السياسة ليست مجرد شعارات، بل هي أيضاً فن حماية الحقوق، وتقليل الخسائر، وصيانة مستقبل الشعوب. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتفي بالحكم على النوايا، بل ينظر أولاً إلى النتائج.
وهذه الحكمة نفسها تستحق أن نتوقف عندها ونحن نستعيد التجربة العراقية.
فلو أن العراق، قبل عام 2003، قرأ موازين القوى قراءة أكثر واقعية، وسعى إلى خيارات سياسية تقلل من حجم المخاطر، وتُقدِّم مصلحة الدولة والشعب على منطق المواجهة المفتوحة، لربما كانت كلفة ما جرى أقل بكثير، وربما أمكن الحفاظ على مؤسسات الدولة وتجنيب العراقيين كثيراً من المآسي التي عاشوها لاحقاً.
إن ضياع الدولة ليس حدثاً عادياً يمكن تعويضه بسهولة، وثمن انهيار المؤسسات لا تدفعه الحكومات وحدها، بل تدفعه الشعوب لأجيال طويلة. ولذلك فإن حماية الدولة، وصيانة المجتمع، والحفاظ على أرواح المواطنين، تبقى من أسمى المسؤوليات التي تتحملها القيادات السياسية، مهما كانت التحديات.
فما قيمة أي موقف إذا انتهى إلى ضياع الوطن؟ وما جدوى التشبث بالشعارات إذا كان الثمن انهيار الدولة وتمزق المجتمع؟
لقد شهد العراق بعد عام 2003 تحولات عميقة ومؤلمة، تمثلت في انهيار مؤسسات الدولة، واتساع رقعة العنف، واستفحال الفساد، وتعاظم التدخلات الخارجية، واستمرار معاناة العراقيين حتى يومنا هذا. ومهما اختلفت القراءات حول أسباب تلك المرحلة، فإنها تقدم درساً بالغ الأهمية مفاده أن تجاهل الوقائع، وعدم التكيف مع المتغيرات، قد يقودان إلى نتائج أشد قسوة من الخيارات التي كان يُراد تجنبها.
ومن هنا يلتقي الدرسان.
فالرسالة التي تحملها الحكمة الشعبية العراقية لا تخص شعباً دون آخر، بل هي دعوة لكل من يواجه صراعاً وجودياً إلى أن يوازن بين الثبات على المبادئ وحماية مصالح الناس، وأن يدرك أن ضياع الفرص قد يجعل المستقبل أكثر صعوبة وتعقيداً.
إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على حماية الإنسان والدولة.
ولا تُقاس بعلو الشعارات، بل بقدرتها على حفظ الأرض، وصون المؤسسات، وتأمين مستقبل الأجيال.
فالقائد لا يُختبر فقط في صلابته، وإنما في حكمته أيضاً؛ وفي قدرته على اتخاذ القرار الذي يحفظ لشعبه الحياة والكرامة، ويُبقي للدولة وجودها واستمرارها.
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يسأل كثيراً: ماذا كانت النوايا؟
بل يسأل: ماذا كانت النتائج؟ وماذا تركتم لشعوبكم؟
لعل في حكمة أجدادنا البسطاء ما يستحق أن يُروى جيلاً بعد جيل؛ فقد تختصر كلماتهم القليلة ما تعجز عن قوله صفحات طويلة من التنظير السياسي.
