30 يوليو، 2026 - 6:28 مساءً
سليدرمقالات وآراء

العراق ليس ساحة لحروب الآخرين.. الطريق إلى الدولة يبدأ بإنهاء السلاح المنفلت

بقلم: د. رياض الدليمي

أثبتت الأحداث الأخيرة حقيقة لم يعد من الممكن تجاهلها أو الالتفاف عليها: لا يمكن لدولة أن تكون ذات سيادة بينما يوجد على أرضها من يمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية.

فالعراق وجد نفسه مرة أخرى في قلب مواجهة إقليمية بعد تقارير عن انطلاق هجمات بطائرات مسيّرة من الأراضي العراقية باتجاه المملكة العربية السعودية، أعقبها رد عسكري أمريكي-سعودي استهدف مواقع لفصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق. كما أفادت مصادر إخبارية متعددة بمقتل عدد من المستشارين الإيرانيين في تلك المواقع، بينما تحدثت تقارير أخرى عن سقوط عناصر من الحشد والفصائل المسلحة.

بعيداً عن اختلاف الأرقام، يبقى السؤال الذي يهم كل عراقي:

لماذا يوجد مستشارون وضباط من الحرس الثوري الإيراني داخل مواقع عسكرية على الأراضي العراقية؟

ومن الذي منحهم حق المشاركة في إدارة القرار العسكري داخل العراق؟

هذا السؤال أخطر من أي بيان سياسي، لأنه يمس جوهر السيادة الوطنية.

لقد جاءت هذه التطورات في وقت كانت فيه الحكومة العراقية تسعى إلى توسيع علاقاتها مع المملكة العربية السعودية والانفتاح اقتصادياً على محيطها العربي، إلا أن التصعيد أدى إلى تأجيل الزيارة المقررة لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض، وهو ما ألحق ضرراً مباشراً بالجهود الدبلوماسية والاقتصادية العراقية.

ليس من مصلحة العراق أن يكون طرفاً في صراع إقليمي.

وليس من مصلحة العراقيين أن تتحول بلادهم إلى منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد دول الجوار.

وليس من مصلحة الاقتصاد العراقي أن تُعرَّض الاستثمارات والعلاقات التجارية للخطر بسبب قرارات تتخذها جماعات لا تخضع لسلطة الدولة.

إن الدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع حماية شعبها، ولا جذب المستثمرين، ولا بناء اقتصاد حديث، ولا إقامة علاقات متوازنة مع العالم.

لقد أثبتت التجربة خلال أكثر من عشرين عاماً أن وجود تشكيلات مسلحة ذات ولاءات أيديولوجية أو خارجية لم يحقق الاستقرار، بل أدخل العراق في أزمات متلاحقة، وأضعف مؤسساته، وعرّضه للعقوبات والضغوط والعزلة، وأفقده فرصاً تنموية هائلة. وتشير تقارير حديثة إلى أن بعض هذه الفصائل ما زالت تحتفظ ببنية عسكرية مستقلة ونفوذ سياسي وأمني واسع، رغم اندماج أجزاء منها في الأطر الرسمية.

من هنا، فإن أي مشروع حقيقي لإنقاذ العراق يجب أن يبدأ بخطوة واضحة وشجاعة:

إنهاء السلاح الخارج عن سيطرة الدولة.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا على أنه استهداف لطائفة أو مكوّن، بل هو تطبيق لمبدأ دستوري أساسي: احتكار الدولة وحدها للقوة المسلحة.

كما أن الحل لا يكون بمجرد دمج الفصائل المؤدلجة داخل الجيش أو الشرطة مع الإبقاء على بنيتها وولاءاتها، لأن التجربة أثبتت أن تغيير الزي العسكري لا يغيّر العقيدة التنظيمية إذا بقي القرار خارج الدولة. إن بناء قوات مسلحة مهنية يقتضي أن يكون الولاء للدستور والعراق وحده، مع خضوع الجميع للقانون والمؤسسات.

إن نجاح الحكومة العراقية في هذا المسار سيمنحها فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وفتح أبواب التعاون مع الدول العربية والعالم، بما ينعكس مباشرة على فرص العمل والتنمية والخدمات ومستقبل الأجيال.

ولذلك فإن دعم الدولة في فرض سيادة القانون ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية.

نعم لقوة الحكومة العراقية.

نعم لاحتكار الدولة للسلاح.

نعم لتطبيق الدستور على الجميع دون استثناء.

نعم لجيش وطني محترف يحمي العراق وحدوده ولا يخضع لأي ولاء خارج الدولة.

نعم لعلاقات متوازنة مع الأشقاء العرب والمجتمع الدولي تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

نعم لاقتصاد مزدهر يجذب الاستثمار ويعيد للعراق مكانته الطبيعية.

لا للسلاح المنفلت.

لا لجرّ العراق إلى حروب الآخرين.

لا لاستخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار.

لا لقيام أي قوة موازية للدولة مهما كانت تسميتها.

إن العراق يستحق أن يكون دولة كاملة السيادة، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وإذا كانت هناك لحظة تاريخية لاستعادة القرار الوطني، فهي الآن.

فلا دولة بلا سيادة، ولا سيادة مع السلاح المنفلت، ولا مستقبل للعراق إلا بدولة واحدة، وجيش واحد، وقرار وطني واحد.

د. رياض الدليمي

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94087