30 يوليو، 2026 - 6:12 مساءً
سليدرمقالات وآراء

المهمة لم تنتهي بعد.. “الاغتيال المعنوي” أداة في سياسة اليوم !

أ. د. طارق السامرائي

لم تعد الصراعات السياسية في هذا القرن المميز تحسم (بالقوة العسكرية)وحدها ولا بالانقلابات او الاغتيالات والتصفيات الجسدية كم كان أسلوب المراحل السابقة القريبة .
فقد أفرزت الثورة الرقمية واتساع الفضاء الإعلامي وتطور تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي نمطاً جديداً من (الصراع )يقوم علي اساس استهداف السمعة بدل الجسد والثقة بدل الوجود المادي )
ففي عالم تتشكل فيه القناعات عبر الشاشات ومنصات رقمية تصبح الصورة الذهنية احد اهم مصادر القوة ويصبح فعالية تدميرها وسيلة فعالة لاقصاء الخصوم واضعاف دورهم السياسي .
وتبعا لطبيعة وعنوان المقالة فان ما نقصد به (الاغتيال المعنوي )هو (ذلك الفعل المنظم الذي يستهدف تقويض مصداقية فرد او مؤسسة عبر حملات التشويه او تزييف المعلومات او اسلوب التضليل )وهو صيغة اجتزاء الوقائع من سياقها الطبيعي او تضخيم حجم الاخطاء بهدف التأثير في الرأي العام.
وهذا التوجه السلوكي يختلف كلياً عن (النقد السياسي المشروع ) والذي يقوم علي عرض الوقائع ومناقشتها في اطار احترام الحقيقة وحق الناس في معرفتها .
فالاغتيال المعنوي لا يبحث عن (الحقيقة بقدر ما يسعى الي انتاج رواية قادرة علي هدم الثقة حتي وان افتقرت الي الادلة الكافية ).
هذه الظاهرة ليست جديدة من حيث المبدأ فقد شهد التاريخ السياسي حملات مقصودة لتشويه الخصوم عبر الشائعات والكذب الممنهج ،إلا ان التحول الرقمي منحها أدوات أكثر سرعة وأوسع انتشاراً وأعمق تأثيراً.
ففي وسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفي بتغيير طريقة تداول الاخبار فحسب ،بل اعادت تشكيل المجال العام باكمله ،حيث بإمكان منشور واحد قصير إيصاله لملايين الاشخاص وضمن زمن قياسي ،في حين تتولي الخوارزميات تعزيز المحتوي المثير للجدل بصرف النظر عن مدي دقته او نسبة صدقه .
وضمن هذا السياق لم تعد السيطرة علي المعلومات وحدها كافية بل اصبح التحكم في (الانطباعات والصور الذهنية هدفاً سياسياً قائماً بذاته )
وباتت الصورة الذهنية احد مصادر القوة وتدميرها ضرورة فعالة لإقصاء الخصوم وإضعافهم سياسياً).
وبالتأكيد تزداد خطورة هذه الظاهرة مع طبيعة التطور المتسارع لما نتجت عنه العلمية المرفية (الذكاء الاصطناعي)الذي أتاح انتاج مقاطع وصور ومشاهد مرئية وصوتية مزيفة يصعب علي المتلقي التمييز بينها وبين الاساس الحقيقي .
ومع انتشار تقنيات التزييف المبرمج اصبح من السهل صناعة تصريحات وافلام ومواقف كاملة تستخدم في (حملات الاستهداف الشخصية والمؤسسية والمسؤولين)وهو ما يتطلب تحديات جديدة اتجاه الاعلام والقضاء والرأي العام.
في زمن اصبحت فيه الادلة البصرية قابلة للتزوير وباطار الاتقان العالي ،لم يعد السؤال يختزل علي صحة الخبر ،بل يمتد إلي موثوقية الدليل نفسه .
لا تقتصر ممارسة الاغتيال المعنوي علي الحكومات او المنظمات او الاحزاب السياسية بل قد تعدتها لكي تمارسها (جماعات الضغط) ومؤسسات الإعلام وجيوش الإلكترونية وربما ايضاً افراد يمتلكون قدرة علي التاثير عبر المنصات الرقمية او من مواقعهم المؤثرة .
وتختلف الاهداف والدوافع بين (تحقيق مكاسب طموحة وفردية او تكتلية او إضعاف وإسقاط الخصوم والمنافسين ،او التاثير في قرارات الجماهير او صياغة النقاش السياسي بعيداً عن القضايا الجوهرية الي (معارك جانبية قوامها التشهير والتسقيط لاستقطاب بدائل لغرض المنفعة الشخصية او التكتلية ).
تعتمد هذه الحملات في نجاح مهامها علي (طبيعة البيئة السياسية والإعلامية ،فكلما ضعفت الثقة بالمؤسسة واشتد الاستقطاب وتراجع الاعلام المهني اصبحت المجتمعات اكثر قابلية للتصديق في مسائل غير موثقة.
وفي مثل هذه البيئات لا يكون الهدف (إقناع الجميع )بل يكفي أثارة الشكوك حول الخصم وتوليد ضبابية في صفاته ومدي درجة انتماؤه للعمل الصالح .
لان (الشك وحده قد يكون كافياً لا ضعاف مكانته وموقعه السياسي ومسؤولياته وبالتالي تقويض شرعيته في ذاكرة الآخرين .
لم تعد السيطرة علي المعلومة وحدها كافية بل اصبح التحكم في (الانطباعات والتصورات الذهنية هدفاً اساسياً قائماً بذاته ).
ان عمليات الاغتيال المعنوي تتخذ اشكالاً متنوعة ومنها (التسريبات غير المؤثقة او اعادة نشر تصريحات خارج سياقها او توظيف الحياة الخاصة في الصراع السياسي او اطلاق حملات منظمة عبر الوسوم الرقمية او استخدام شيكات من الحسابات الوهمية لتضخيم حجم رواية محددة وأيهام الآخرين بانها تمثل رأياً عاماً)
وتظهر هذه الممارسات المرضية والممنهجة علي ان المعركة السياسية لم تعد تدور فقط حول البرامج والافكار بل حول (ادارة الإدراك الجماعي وصناعة الانطباعات ).
وربما تتجاوز أثار الاغتيال المعنوي حدود الشخص المستهدف اذ تتسع إليّ المجال العام برمته فعندها تتحول المنافسة السياسية إلي (ساحة اتهامات متبادلة تفتقر الي الادلة )تتراجع ثقة القواعد بالأحزاب والمؤسسات ووسائل الإعلام)وآنذاك يصبح التمييز بين الحقيقة والدعاية اكثر صعوبة ،وفي هذه الحالة( لا تكون الخسارة مقتصرة علي طرف سياسي معين بل تطال جودة الحياة الديمقراطية نفسها التي تؤسّس علي النقاش الحر المبني علي الحقائق لا علي الشائعات).
اما علي المستوي الدولي

بات الاغتيال المعنوي جزئاً من ادوات المنافسة بين الدول حيت يتم استخدام الحملات الإعلامية والتسريبات وعمليات التأثير الرقمي محاولات لتقويض صورة الخصوم او التأثير في مواقف الرأي العام العالمي .
لذلك لم تعد السمعة الوطنية (عنصراً رمزياً فحسب بل أصبحت جزئاً من عناصر القوة الشاملة للحزبية والمؤسسة ،شأنها شأن الدبلوماسية والاقتصاد والمرتبة العسكرية ).
فالصراع علي الموقع السياسي لم يعد يتمحور حول السيطرة لمكانة اعلي بل ايضاً حول السيطرة علي طبيعة البقاء والتدرج في المؤسسة.
لذلك لا ينبغي الخلط بين (الاغتيال المعنوي وبين الدور الرقابي للإعلام !
ان الكشف المهني عن الفساد أو إساءة استخدام السلطة والمسؤولية تحت توفر الأدلة والتحقيق يمثل ركيزة فاعلة في اي مجتمع يحترم سيادة القانون .
اما (الاغتيال المعنوي )فانه يقوم علي الإدانة المسبقة وتوجيه الاتهامات دون تحقق كاف او توظيف المعلومات بصورة انتقالية لإنتاج صورة ذهنية تخدم أهدافا شخصية او سياسية او إعلامية .
الخاتمة للبحث

ان اخطر ما تكشفه هذه الظاهرة المرضية هو (ان الصراع علي السلطة لم يعد يدور فقط علي السيطرة علي المؤسسة بل ايضا علي التدرج للمسؤولية وإزاحة الخصوم عن طريق تحقيق المصالح والمنافع الشخصية والفئوية )
السمعة اليوم أصبحت مورداً استراتيجياً وقد يكون اسقاطها اكثر تأثيراً من اسقاط الخصم بالقوة ،بالمقابل فان مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق عبر تقييد (حرية التعبير وانما من خلال تعزيز الاعلام المهني وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات وتطوير الأطر القانونية والانضباطية التي توازن بين حماية السمعة وصيانة الحق في النقد والمساءلة).
لقد نقل العصر الرقمي السياسة من (ساحات المواجهة التقليدية الي فضاء تتنافس فيه الرويات والصور والانطباعات)
ففي هذا الفضاء قد تكون (الكلمة المضللة أشدّ أثرا من الرصاصة وقد يتحول تشويه السمعة إلي وسيلة لاعادة رسم موازين القوة )
ومن هذا المنطلق فان الدفاع عن الحقيقة لم يعد مجرد (قيمة أخلاقية )بل بات شرطا اساسياً لحماية الآخرين وضمانة ان تبقي المنافسة السياسية قائمة علي المصداقية والواقع الملموس لا علي (حملات التشويه والكسب الرخيص ،وعلي الحجة لا علي الاغتيال المعنوي ).
أ. د. طارق السامرائي/بريطانيا

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94089