في حدث لم يسبقه تاريخ ستتم مراسيم تشييع المرشد العام السابق الإيراني في بعض مدن العراق عبر الحدود !فما هي القراءة في أطر أعراف السيادة والدبلوماسية ؟
ان التشييع بطبيعته ليس حدثاً دينياً عاديا بل خطوة لها أبعادها ومضامينها الخفية سياسياً واجتماعياً بأطار (المفهوم السيادي العميق )
ويمكن تحليلها وسط ضبابية ومناخ الظروف الحالية ومعايير القانون الاقليمي والدولي لمفهوم السيادة الدولية تجاوز لحدود هذه الأعراف الدبلوماسية إذا لم يتم الاتفاق الرسمي وموافقة الدولة بصورة صريحة .
ان الرسالة في نقل جثمان المرشد الإيراني الراحل الي دولة العراق وإقامة مراسيم التشييع في النجف وكربلاء هو استجابة لواقع اجتماعي وطيف عراقي يحمل عقيدة إسلامية لها خصوصياتها وليس حدثاً رسمياً مفروضاً من دولة ايران خاصة وكلا الطرفين يتقاربان في عدد من الملفات المتشابكة والعميقة في صراع ايديولوجي ديني ،وعلي هذا الاساس والطرح فان ما يراه (القانون الدولي والذي تتداخل فيه عوامل غير ما تراه السياسة المتوطنة لكلا الدولتين ،ففي :-
١- سيادة الدولة
لصيانة مفهوم وكيان السيادة فان (كل نشاط دولة داخل دولة دولة ارضاً وجوا وبحراً)يجب أن يتم بالموافقة لكلا الدولتين وفي خلافه يعد تدخلاً لشؤون الاخري .
٢- الأصول والنصوص الدبلوماسية
ان مراسم تشييع رئيس دولة وقائدها الروحي والديني داخل دولة اخري تبدو غريبة وغير مألوفة وتحتاج الي اجراءات رسمية دقيقة خاصة في العراق وايران وتجانس قسم من المجتمع في عقيدته الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية.بسبب ان الرمزية السياسية قد تتجاوز الطابع الديني وبعض المعتقدات لان (الوطن فوق الجميع ).
٣- السياقات الدولية
من المتعارف والمألوف ان تقام مراسيم التشييع داخل الدولة المعنية ووسط مجتمعها وجمهورها لكي تمارس مراسيم التشييع تبعاً وتلبية لخصوصية هذا المجتمع وفي عقر داره ،بينما ترسل الوفود من والي الخارج لتقديم بروتوكولات التعزية ولكن (لا تنقل مراسيم التشييع والجنازة وتجوب مدن ومراقد لها انتماءاتها العرقية للدولة الأصلية ).
اذن ما القصة وما هي الرسالة في زمن القلق الاقليمي وصراع حربي إقليمي ودولي ؟.
ينظر الكثيرون من شعب العراق والعرب في المنطقة وربما بعض الاجانب الي هذا (الحدث)علي انه (انتهاك وفتنة) رغم ان طهران وبغداد أعلنتا رسمياً (التنسيق المشترك لتطبيق المراسيم التشيعية )لكن واقع الرسالة في مثل هذه الظروف لها (معاني وتحاليل)ربما حل منها بصورة انتقادات !
١- الاول منها استثمار النفوذ الايراني في داخل المجتمع العراقي
فالكثير من جماهير العراق يرون ان عقد هذه المراسيم في هذا الظرف المعقد لقائد روحي في دولة اجنبية مجاورة يولد اختلالا في منظومة السيادة خاصة وايران تتدخل وتراقب السلوك الدبلوماسي والسياسي في نظام ومؤسسات دولة العراق وحيازتها علي فصائل مسلحة والحشد الشعبي ترتبط بعجلة مشروعها في (تصدير الثورة وسياسة التوسع الاقليمي )،وبعض هذه الفصائل مصنف دولياً كمنظمات (ارهابية)مثل (كتائب سيد الشهداء وعصائب اهل الحق )
٢- المرشد الاعلي الراحل علي خامنئي ليس مجرد شخصية عابرة او رمز ديني فقط بل (رأس الهرم السياسي
والعسكري)
– لدولة لها حضورها المباشر في الساحة العراقية ،لذلك فان (رسالة تشييعه في العراق )هو فعلا رسالة وتوجيه معنوي اكثر من كونه حدث ديني عابر للغزل التحليلي .
٣- في صلب القانون الدولي (الحدث
لا يعتبر انتهاكاً للمواثيق الدولية )ما دام تمام الاتفاق بين الدولتين !
لكن السؤال الجدي هو :- هل كانت الموافقة شكلية او تمت تحت ضغوط سياسية ونفوذ وزيارات فئوية من مسؤولين ايرانيين لنظام العراق وهو ما يثير الشكوك ويعزز الإشكاليات التحليلية وبذلك يعتبر (تجاوزاً للأعراف القانونية الدولية التي تنظم علاقات الدول ).
٤- في اطار البعد الجيوسياسي
اغتيال (خامنئي)كان حدثاً مفصليا في منطقة الإقليم العربي والشرق الأوسط !اذ تم اعتباره تحليلاً انهياراً (لمنظومة الردع التقليدية في المنطقة ومدخل لمرحلة صراع مفتوح بين القوي الاقليمية والدولية )
وبالتالي فأن تشييعه في مدن العراقية يسبب حساسية عقائدية وتوتر سياسي مبطن لا يمكن فصلهما عن تداخل الرموز الدينية مع النفوذ السياسي والعسكري !
فالتشبيه بحد ذاته في مدن العراق وبشكل خاص في العتبات المقدسة وتمركز الاخوان الشيعة هو (مقبول قانونااذ تم الاتفاق عليه بالبينة بين طرفي الدولتين لكنه ) ( مرفوض إذا ثبت بالقوة والضغوط والتهديد إلا رسمية )!
دلالات رمزية التشييع
سياسياً يعكس عمق النفوذ الإيراني علي الدولة العراقية ونظامها !
سيثير حساسية مباشرة وغير مباشرة لدي عدد من شرائح مجتمع العراق والعرب والدول الاخري !
ويمكن تفسيره كخطوة غير مألوفة في سياقات الدبلوماسية !
كما أنها ستقرأ كرسالة سياسية اكثر من كونها بروتوكول ديني عام !
حصيلة وخلاصة
لا يمكن أن نتصور أن تشييع المرشد الاعلي للثورة الإيرانية بعد آية الله الخميني داخل أراضي العراق ومدنه ذات الخصوصية الدينية الشيعية حدثاً دينياً محضاً او بروتوكوليا عاديا وانسيابيا (بل هو ممارسة ممنهجة تحمل أبعادا سياسية وعقائدية واجتماعية وسيادية تتجاوز اطار الطقوس الجنائزية التأبينية التقليدية والمعمول بها دوماً).
لان ذلك سيفتح أبواباً امام تساؤلات جوهرية بخصوص مدي احترام سيادة دولة وضيفة للتشييع ومدي قدرة مؤسساتها علي ضبط التداخل بين (الديني)(والسياسي)في موقف حساس اقليميا ،وكل طرف يشك في توجهات رسالته .
ان هذا المشهد المفصلي والحرب لا زالت تسعر نارها وطبيعة الأعراف الدبلوماسية في خبر كان ،هو(دعوة للانزلاق في العلاقات لدول المنطقة وربما الي مساحات النفوذ غير المتوازنة )!
والنتيجة كما نراها أن هذا تجاوز لهيبة الدولة وسيادتها في العراق (اذا كانت الدولة العراقية حقاً واصلاً تمتلك السيادة )
استاذ دكتور طارق السامرائي/ بريطانيا
