بعدَ لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ حَبَسَتْ أَنْفَاسَ الْعَالَمِ، وَرَفَعَتْ دَرَجَةَ الْحَرَارَةِ السِّيَاسِيَّةِ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ إِلَى حَافَّةِ الِانْفِجَارِ، وَبَعْدَ سَيْلٍ مِنَ التَّهْدِيدَاتِ وَالْوَعِيدِ الَّتِي أَطْلَقَهَا الرَّئِيسُ الْأَمْرِيكِيُّ ذُو اللَّوْنِ الْبُرْتُقَالِيِّ، تَأْتِي النِّهَايَةُ مُخَالِفَةً لِكُلِّ التَّوَقُّعَاتِ؛ فَتُفْتَحُ الْمَمَرَّاتُ الْبَحْرِيَّةُ، وَتَهْدَأُ النِّيرَانُ، وَيُؤَجَّلُ الِاصْطِدَامُ بِوَسَاطَاتٍ سَعُودِيَّةٍ وَقَطَرِيَّةٍ، لِيَكْتَشِفَ الْعَالَمُ، مَرَّةً أُخْرَى، أَنَّ الضَّجِيجَ كَانَ أَعْلَى مِنْ وَقْعِ الْحَدَثِ.
لَيْسَ غَرِيبًا أَنْ يَتَبَدَّلَ الْخِطَابُ السِّيَاسِيُّ، فَالسِّيَاسَةُ لَا تَعْرِفُ الثَّبَاتَ، وَالْمَصَالِحُ لَا تُؤْمِنُ بِالْعَوَاطِفِ. وَلَكِنَّ الْغَرِيبَ حَقًّا أَنْ تَبْقَى الْعَلَاقَةُ بَيْنَ وَاشِنْطُنَ وَطَهْرَانَ تُنْتِجُ الْمَشْهَدَ نَفْسَهُ كُلَّ مَرَّةٍ؛ ضَجِيجٌ، وَتَهْدِيدٌ، وَاسْتِنْفَارٌ، ثُمَّ يَهْبِطُ السِّتَارُ دُونَ الْمَعْرَكَةِ الْمَوْعُودَةِ. كَأَنَّ الْجَمِيعَ يَعْرِفُ النِّهَايَةَ، لَكِنَّهُ يُصِرُّ عَلَى مُشَاهَدَةِ الْفِيلْمِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
هُنَا يَحْضُرُ الْمَثَلُ الشَّعْبِيُّ الْعِرَاقِيُّ الْعَتِيقُ: «عُرْسُ وَاوِيَةٍ».
وَلِمَنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْمَثَلَ، فَالْوَاوِي فِي اللُّغَةِ الشَّعْبِيَّةِ الْعِرَاقِيَّةِ هُوَ الثَّعْلَبُ، ذَلِكَ الْمَاكِرُ الَّذِي يَعِيشُ عَلَى الْحِيلَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعِيشُ عَلَى الْقُوَّةِ. وَيَرْوِي الْمَوْرُوثُ الشَّعْبِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْوَاوِيَة، عِنْدَمَا تَجْتَمِعُ، تَمْلَأُ اللَّيْلَ بِالْعُوَاءِ وَالصَّخَبِ، فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ الْبَرِّيَّةَ تَحْتَفِلُ بِعُرْسٍ أُسْطُورِيٍّ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الْعُرْسَ لَا يَعِيشُ إِلَّا لَحَظَاتٍ؛ فَمَا إِنْ يَخْفُتَ الْعُوَاءُ حَتَّى يَتَفَرَّقَ الْجَمِيعُ، وَيَعُودُ الصَّمْتُ، كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ.
وَمِنْ هُنَا، أَصْبَحَ الْعِرَاقِيُّ، كُلَّمَا شَاهَدَ ضَجِيجًا كَبِيرًا يَنْتَهِي بِدُونِ نَتِيجَةٍ، أَوْ تَجَمُّعًا صَاخِبًا لَا يَدُومُ، يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ: «هَذَا عُرْسُ وَاوِيَةٍ.»
وَإِذَا كَانَ لِلْأَمْثَالِ الشَّعْبِيَّةِ عُمْرٌ أَطْوَلُ مِنْ عُمْرِ السِّيَاسِيِّينَ، فَإِنَّ هَذَا الْمَثَلَ يَبْدُو وَكَأَنَّهُ كُتِبَ خِصِّيصًا لِيَصِفَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ أَمْرِيكَا وَإِيرَانَ. فَكُلَّمَا ارْتَفَعَ الْعُوَاءُ السِّيَاسِيُّ، وَتَبَادَلَ الطَّرَفَانِ التَّهْدِيدَاتِ، وَتَسَابَقَتِ الشَّاشَاتُ فِي رَسْمِ سَاعَةِ الصِّفْرِ، وَأَخَذَ الْخُبَرَاءُ يُحَدِّدُونَ مَوَاعِيدَ الضَّرْبَاتِ بِالدَّقِيقَةِ وَالثَّانِيَةِ، يَظُنُّ الْعَالَمُ أَنَّ الْحَرْبَ وَقَعَتْ فِعْلًا، ثُمَّ… يَكْتَشِفُ أَنَّ الْمَشْهَدَ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ فَصْلٍ جَدِيدٍ مِنْ عُرْسِ وَاوِيَةٍ.
تَرْتَفِعُ أَسْعَارُ النِّفْطِ، وَتَنْتَعِشُ بُورَصَاتُ السِّلَاحِ، وَتُشْحَنُ الِاسْتُودْيُوهَاتُ بِالْمُحَلِّلِينَ، وَتُسْتَنْفَرُ الْقَوَاعِدُ، وَيسْحَبُ السُّفَرَاءُ، وَتُغْلَقُ السَّفَارَاتُ، وَتُفْتَحُ أَبْوَابُ التَّكَهُّنَاتِ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا… ثُمَّ يَسْدِلُ الْمَشْهَدُ سِتَارَهُ، وَيَخْرُجُ الْجَمِيعُ مِنَ الْمَسْرَحِ وَهُمْ يُصَفِّقُونَ لِعَرْضٍ لَمْ يَعْرِفُوا حَتَّى الْآنَ: هَلْ كَانَ مَأْسَاةً أَمْ مَلْهَاةً؟
فِي السِّيَاسَةِ لَا وُجُودَ لِصَدَاقَاتٍ دَائِمَةٍ، وَلَا لِعَدَاوَاتٍ أَبَدِيَّةٍ؛ هُنَاكَ مَصَالِحُ تَلْبَسُ أَقْنِعَةً مُخْتَلِفَةً، وَتُغَيِّرُ لَهْجَتَهَا كَمَا يُغَيِّرُ الْمُمَثِّلُ أَزْيَاءَهُ بَيْنَ فَصْلٍ وَآخَرَ. أَمَّا الشُّعُوبُ، فَهِيَ الْجُمْهُورُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَدْفَعُ ثَمَنَ التَّذْكِرَةِ فِي كُلِّ عَرْضٍ، دُونَ أَنْ يُسْمَحَ لَهُ بِتَغْيِيرِ النِّهَايَةِ.
وَلَيْسَ الْخَطَرُ فِي عُرْسِ وَاوِيَةٍ نَفْسِهِ، بَلْ فِي الْمُشَاهِدِينَ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ تَذَاكِرَ الْعَرْسِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَتَفَاجَؤُونَ بِأَنَّ الْعَرِيسَ لَمْ يَأْتِ، وَأَنَّ الْعَرُوسَ غَادَرَتْ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ.
د. عبد الرحيم الشويلي
الثاني من آب.أغسطس.2026م.
