16 أكتوبر، 2026 - 12:48 صباحًا
دين ودنيا

الشيخ خالد حسن يكتب.. التطرف الفكري وموقف الإسلام منه

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
لقد نهَى الشارعُ الحكيمُ عن التطرف والتشددِ والغلوِّ بجميع صور التشدد والتطرف والغلو، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ : ” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ “. ( البخاري ومسلم). يقولُ الحافظُ بنُ رجبٍ: ” معنى الحديث: النهيُ عن التشديدِ في الدينِ، بأنْ يحمِّلَ الإنسانُ نفسَهُ مِن العبادةِ ما لا يحتملهُ إلّا بكلفةٍ شديدةٍ، وهذا هو المرادُ بقولهِ ﷺ: ” لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غلبَهُ ” يعني: أنَّ الدينَ لا يُؤخذُ بالمغالبةِ، فمَن شادَّ الدينَ غلبَهُ وقطعَهُ.”أ.
وقال الإمامُ ابنُ حجرٍ رحمَهُ اللهُ:” لا يتعمَّقُ أحدٌ في الأعمالِ الدِّينيةِ ويتركُ الرِّفقَ إلّا عجَزَ وانقطعَ”. (فتح الباري).
وروى ابنُ ماجةَ عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “يا أيُّها الناسُ، إيَّاكُم والغلوَّ في الدِّين؛ فإنّهُ أهلَكَ مَن كان قبلَكُم الغلوُّ في الدينِ”. (حديث صحيح).
فينبغِي على كلِّ مسلمٍ أنْ يعبدَ اللهَ على علمٍ وبصيرةٍ، وأنْ يحذرَ مكائدَ الشيطانِ الذي يُحيدُ عن الطريقِ المستقيمِ، ويُزيغُ عن الهديِ القاصدِ، الذي قالَ فيهِ النبيُّ ﷺ: “الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا”. (البخاري).
إنَّ الشيطانَ يدخلُ لابنِ آدمَ مِن طريقَيِ الإفراطِ أو التفريطِ، كي يفسدَ عليهِ دينَهُ وحياتَهُ. يقولُ ابنُ القيّمِ -رحمَهُ اللهُ-: “ما أمرَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- بأمرٍ، إلَّا وللشيطانِ فيهِ نزغتانِ: إمَّا تقصيرٌ وتفريطٌ، وإمَّا إفراطٌ وغلوٌّ، فلا يُبالِي بمَا ظفِرَ مِن العبدِ مِن الخطيئتينِ”. (الوابل الصيب من الكلم الطيب). وقال الأوزاعيُّ -رحمَهُ اللهُ-: “مَا مِن أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ بهِ، إلّا عارضَ الشيطانُ فيهِ بخصلتينِ، ولا يُبالِى أيُّهمَا أصابَ: الغلوُّ، أو التقصيرُ”.
والتطرفُ الفكريُ والتعصبُ ليس مقصورًا على أبوابِ العبادةِ والتدينِ فقط، بل قد يكون في العاداتِ والأعرافِ والفكرِ والرياضةِ والإعلامِ، وكلها صورٌ لميلِ الإنسانِ عن الحقِّ والوسطِ الذي شرعه اللهُ تعالى لعباده.
فمن تعصب لرأيه ورفض الحوارَ، فقد تطرف في الفكرِ، ومن جعل هواه قاضيًا في كل نزاعٍ فقد تطرف في السلوكِ، ومن تحزب لقبيلته أو لجهته وتعالى على الناسِ فقد تطرف في النسبِ والانتماءِ، ومن عادى الناسَ لخلافِ رأيٍ أو لونٍ أو موقفٍ فقد تطرف في الإنسانيةِ نفسها.
لذلك نهانا الإسلام عن التطرف والتعصب بكل صوره وأشكاله وألوانه، وحثنا على الوسطية والاعتدال، لأن الدينَ الإسلاميَّ دينُ الوسطيةِ والاعتدالِ، كمَا أنَّ هذه الأمةَ المحمديةَ أمةُ الوسطيةِ والاعتدالِ، قالَ تعالَى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }،[ البقرة : 143].
و”الوسطيةُ” هي الركيزةُ الكبرَى لهذه الأمةِ حتى صارت “الوسطيةُ” مضربَ الأمثالِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: «سألَ رجلٌ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ فقال: إِنَّكَ تُخْرِجُ أَمْثَالَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مِنَ الْقُرْآنِ فَهَلْ تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ” خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا”؟ قَالَ: نَعَمْ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}، وقولُهُ تعالَى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}
فالوسطيةُ مِن أعظمِ مقاصدِ هذه الشريعةِ الغراء، قال الإمامُ الشاطبيُّ: ” إنَّ الشريعةَ جاريةٌ في التكليفِ لمقتضاهَا على الطريقِ الوسطِ العدلِ ، الآخذِ مِن الطرفينِ بقسطٍ لا ميلَ فيهِ، فإذا نظرتَ إلى كُليِّةٍ شرعيةٍ ، فتأمَّلهَا تجدهَا حاملةً على التوسطِ والاعتدالِ، ورأيتَ التوسطَ فيهَا لائحًا، ومسلكَ الاعتدالِ واضحاً،، وهو الأصلُ الذي يُرجَعُ إليهِ، والمعقِلُ الذي يُلجأُ إليهِ” أ.ه. (الموافقات)..
ويقولُ الإمامُ ابنُ القيمِ -رحمَهُ اللهُ-: ” دينُ اللهِ وسطٌ بينَ الغالِي فيهِ والجافِي عنهُ، وخيرُ الناسِ النمطُ الأوسطُ الذينَ ارتفعُوا عن تقصيرِ المفرطين، ولم يلحقُوا بغلُوِّ المعتدين”. (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان).
وهكذا كانت الوسطيةُ والاعتدالُ الركيزةَ العظمَى لهذا الدينِ الحنيفِ، وكمَا قِيلَ: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا».
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.

الشيخ خالد حسن
أحد علماء الأزهر

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=96649