16 أكتوبر، 2026 - 12:49 صباحًا
مقالات وآراء

حين يُستهدف الأرشيف العراقي.. هل أصبح اجتثاث البعث اجتثاثاً لذاكرة العراق؟

ضياء الصفار

safar

 

لا يمكن محو التاريخ بقرارسياسي، ولا بناء المستقبل بإتلاف شواهد الماضي .

…

في غياهب القرارات الارتجالية، وفي لحظة فارقة من تاريخ العراق الحافل بالأحداث، تتكرر مأساة جرحت ضمير الإنسانية لقرون ، مأساةٌ تُعيد إلى الأذهان مشاهد النيران وهي تلتهم دار الحكمة في بغداد وسقوط المخطوطات والكتب في نهر دجلة على يد المغول. اليوم، تحت لافتات ومسميات مثل “إجتثاث البعث” و”المساءلة والعدالة”، يمتد دمارٌ من نوع آخر يستهدف ذاكرة العراق الوطنية، وليس مجرد أيدولوجيا سياسية ، على يد أحزاب وقوى ظلامية متخلفة تحركها عُقد التأريخ والدونية ممزوجة بكل أنواع الحقد والغل والكراهية .
ليس أخطر على الأمم من أن تفقد ذاكرتها، وليس أشد خطراً على مستقبلها من أن تتحول خلافاتها السياسية إلى مبرر لمحو تاريخها، أو أن يصبح الاختلاف مع نظام سياسي سابق سبباً لإتلاف الكتب والصحف والمجلات والوثائق والأطاريح الجامعية التي توثق مرحلة من مراحل حياتها ، لو كان هناك أختلاف موضوعي فكري وسياسي، فالحقائق أثبتت أن هناك مشروعاً تخريبياً خبيثاً يستهدف تفكيك العراق ومسخ الذاكرة العراقية ينفذ بأيدي العملاء والذيول الموالين لإيران
وبضوء المعلومات المتداولة بشأن إتلاف آلاف المصادر التاريخية من صحف وجرائد ومجلات وكتب وأطاريح جامعية صدرت في العراق خلال مرحلة النظام الوطني بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وما يُقال عن امتداد هذه الإجراءات إلى أرشيف الجامعات العراقية، ومنها جامعة الموصل، فإننا نكون أمام قضية تتجاوز حدود الخلاف السياسي، لتلامس جوهر الهوية الوطنية العراقية، وحق المجتمع في الاحتفاظ بذاكرته التاريخية، وحق الباحثين والأجيال القادمة في الوصول إلى مصادر المعرفة.
إنها ليست قضية البعث وحده، ولا قضية مؤيديه أو معارضيه ، إنها قضية العراق وتاريخه ومستقبله.

الكتاب ليس عضواً في حزب، والصحيفة ليست تنظيماً سياسياً، والأطروحة الجامعية ليست جريمة لمجرد أنها أُنجزت في زمن نظام سابق. والوثيقة التي تحمل تاريخ مرحلة معينة لا تتحول إلى خطر على المجتمع بسبب التاريخ الذي كُتبت فيه.
فإذا كان المبرر هو اجتثاث البعث، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يتحقق ذلك بإتلاف آلاف المطبوعات والوثائق، أم بدراسة التجربة التاريخية دراسة علمية، والكشف عن حقائقها، ونقد أخطائها وإخفاقاتها، وتوثيق إنجازاتها ونجاحاتها ، ووضعها أمام الأجيال بموضوعية ومسؤولية؟
إن إتلاف المصادر لا يُسقط الأفكار، ولا يغيّر الوقائع، ولا يمحو ما حدث من التاريخ ، بل قد يحرم الباحثين من الأدلة التي يحتاجون إليها لفهم تلك الأفكار والوقائع، وتقييمها بعيداً عن الدعاية والتوظيف السياسي.

لقد تعاقبت على العراق أنظمة سياسية مختلفة، واختلفت توجهاتها وأيديولوجياتها، وشهد البلد انقلابات وثورات وحروباً وتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. لكن كل مرحلة من هذه المراحل أصبحت جزءاً من التاريخ العراقي، سواء أكانت موضع اعتزاز لدى البعض أم موضع نقد ورفض لدى آخرين ، والأمم التي تحترم نفسها لا تكتب تاريخها وفقاً لأهواء السلطة القائمة، ولا تسمح للخلافات السياسية بأن تتحكم في مصير مصادرها العلمية.
فالصحف التي صدرت في مرحلة النظام الوطني بقيادة البعث لا تقتصر أهميتها على ما نشرته من بيانات سياسية أو مواقف حزبية ، إنها تتضمن أخبار المجتمع، وأحوال الاقتصاد، والتحولات العمرانية، والحياة الثقافية، والنشاط الأدبي والفني، والرياضة، والتعليم، والعلاقات الخارجية، ومواقف الدول والأحزاب، فضلاً عن تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العراقي.
وكذلك الكتب والأطاريح الجامعية ، فقد تتضمن بحوثاً علمية في الهندسة والطب والعلوم الطبيعية والاقتصاد والتاريخ والآداب، لا علاقة لها بالصراع السياسي،وقد تمثل نتاجاً علمياً عراقياً يصعب تعويضه أو استعادته بعد إتلافه ،
فهل يُعقل أن تصبح دراسة علمية أنجزها باحث عراقي في جامعة عراقية قابلة للإتلاف لمجرد أنها كُتبت في مرحلة سياسية محددة؟ وهل يُعقل أن نفقد أعداداً من الصحف والمجلات التي قد تكون نسخها الأصلية نادرة، ثم نكتشف بعد سنوات أننا أضعنا مصدراً لا يمكن تعويضه لكتابة تاريخ العراق الحديث؟ إن الأرشيف الوطني ليس ترفاً ثقافياً، بل هو أحد أعمدة السيادة المعرفية للدولة، ومن دونه يصبح التاريخ عرضة للانتقاء والتشويه والتلاعب ، كما أنه مُلك للعراق ، وليس لحكومات المتعاقبة .

إن الحديث الآن عن إتلاف مصادر مكتبية في جامعة الموصل تحت ذريعة الأجتثاث يكتسب دلالة مؤلمة بصورة خاصة، إذا استحضرنا ما تعرضت له مكتبتها المركزية من حرق وتدمير خلال سيطرة تنظيم داعش الأرهابي على المدينة، وما رافق ذلك من خسارة آلاف الكتب والمصادر والمخطوطات ،وقد وثّقت جامعة الموصل مأساة مكتبتها وجهود إعادة إعمارها، وأُعيد افتتاح المكتبة المركزية في شباط 2022 بعد أعمال إعادة التأهيل. .
لقد كان العراقيون، والعالم معهم، يتابعون بقلق ما أصاب الموصل من خسائر ثقافية وحضارية، لأن إحراق الكتب لم يكن مجرد خسارة لأوراق وأغلفة، بل كان اعتداءً على المعرفة والذاكرة والتنوع الحضاري.
أن إتلاف الأرشيف التأريخي والمصادر والوثائق التي تعبر عن مرحلة أو أكثر من المراحل التاريخية للعراق من مكتبات الجامعات العراقية، ومنها جامعة الموصل العريقة التي عانت ما عانته سابقاً من دمار مكتباتها وتفريغ محتواها الأكاديمي، أنما يُعد خطوة ظلامية خبيثة تستهدف تجريد الأجيال القادمة من أدوات ومناهج فهم تأريخهم وأستخلاص العبر منه ، ويمنح الباحثين القدرة على مقارنة الروايات الرسمية بالشهادات والوثائق والمصادر الأخرى.

الجامعات العراقية ليست مخازن إدارية للمطبوعات، بل مؤسسات علمية تحمل مسؤولية حماية المعرفة وإتاحتها للباحثين. ولذلك، فإن أي قرار يمس مقتنياتها التاريخية يجب أن يخضع لمعايير واضحة، وأن تُحدد بموجبه طبيعة المواد المعنية، وأهميتها العلمية، وقيمتها الأرشيفية، وإماكن حفظها ورقياً أو رقمياً.
ومن هنا، تبرز ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة أهمها .. وقف أي عملية إتلاف للمصادر التأريخية، مع تشكيل لجان لتحديد قيمتها العلمية والتأريخية، مع إجراءآت إدارية وقانونية لتشكل ضمانات لحماية الذاكرة العراقية وصون المؤسسات العلمية من الحملات الظلامية المتخلفه التي تستهدف الحلقات المضيئة في التأريخ العراقي المعاصر.

إن العراق الذي أنجب العلماء والفلاسفة والأدباء، والذي احتفظت أرضه بآثار حضارات متعاقبة، لا يليق به أن يتعامل مع تاريخه الحديث بمنطق المحو والإقصاء ،فالأمم الواثقة من حاضرها لا تخشى وثائق ماضيها، والدول التي تسعى إلى بناء مستقبل راسخ لا تجعل تاريخها رهينة للتقلبات السياسية.
إن من حق الأجيال الجديدة أن تقرأ ما كتبه العراقيون في العهد الملكي، وفي العهد الجمهوري، وفي العهد الوطني بقيادة البعث البعث، وفي المراحل التي أعقبت الأحتلال الغاشم عام 2003، وأن تقارن بين التجارب، وتفهم أسباب التحولات، وتستخلص الدروس.
ومن حق الباحث أن يدرس صحيفة مؤيدة للنظام الملكي أو للأنظمة الجمهورية المتعاقبة كما يدرس صحيفة معارضة له. ومن حق المؤرخ أن يفحص وثيقة رسمية، كما يفحص شهادة شخصية. وليس مطلوباً من أي منهما أن يتبنى مضمون ما يقرأه فمهمته أن يتحقق منه ويضعه في سياقه التاريخي ، أما تحويل الأرشيف إلى ساحة لتصفية الحسابات، فينقل الصراع من ميدان السياسة إلى ميدان المعرفة، ويحمّل الأجيال المقبلة ثمن قرارات لم تتخذها.

لقد دفع العراق أثماناً باهظة من أمنه واستقراره وثرواته ونسيجه الاجتماعي، وتعرضت مؤسساته العلمية والثقافية إلى خسائر جسيمة بفعل الحروب والاحتلال والعنف والتخريب. وليس من المقبول أن تتعرض ذاكرته المكتوبة لخسائر إضافية نتيجة قرارات لا تراعي القيمة العلمية والتاريخية لما تمثله الكتب والوثائق من رصيد وطني.
إننا لا ندعو إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا إلى مصادرة حق العراقيين في النقد والمساءلة. إنما ندعو إلى الاحتكام إلى القانون والعلم والموضوعية، وإلى التمييز بين محاسبة الأشخاص على أفعالهم وبين الاعتداء على ذاكرة المجتمع. وإذا كان العراقيون قد اختلفوا في تقييم الأنظمة والحكومات والأحزاب، فإن تاريخهم المشترك ينبغي أن يبقى محفوظاً، لكي يستطيعوا فهم خلافاتهم، وتجاوز أسبابها، وبناء مستقبل لا يُعاد فيه إنتاج مآسي الماضي.

أما السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم فهو ..من منح أي جهة حق تقرير ما يستحق أن يبقى من تاريخ العراق، وما ينبغي أن يُمحى منه؟
وإذا مضت هذه المجموعات المتخلفة وأصرّت على إتلاف هذه المصادر، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي الكشف عن الحقيقة،وتحديد المسؤوليات،ووقف أي إجراء غير مشروع، واستعادة ما يمكن استعادته من المواد المفقودة ،فالتاريخ لا يُكتب بقرارات الحقد والغل والإتلاف، والهوية الوطنية لا تُبنى على الانتقام، والمستقبل لا يُصنع بقطع الصلة بين الأجيال ومصادر معرفتها ، فالعراق أكبر من حزب، وأبقى من نظام، وأعمق من أن تختصره مرحلة سياسية مهما امتدت ، وتاريخه ليس ملكاً لمن حكمه بالأمس أو يحكمه اليوم ، إنه إرث شعب كامل، وأمانة في أعناق الأجيال.
لا تقديس للماضي ولا إنكار له؛ بل حفظٌ للذاكرة، وكشفٌ للحقيقة، ونقدٌ للتجارب، واحترامٌ لعقل الإنسان العراقي.

15 /تشرين الأول/ 2026

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=96647