تختصر مقولة (فلول النظام عندما كانوا في قوات الأمن سابقا قتلوا الشعب وعندما أصبحوا من الشعب الآن قتلوا الأمن )واحدة من أكثر المفارقات فجاجة في المشهد السوري بعد التحرير فهي لا تصف حادثة عابرة بل تكشف ذهنية راسخة ترى في العنف والإجرام وسيلة وحيدة للبقاء سواء كانت في موقع السلطة أو خارجها….
الى الماضي ولسنوات طويلة مارس النظام البائد وأجهزته الأمنية القمعية التي يعرفها القاصي والداني القتل الممنهج بحق السوريين تحت شعار حماية الدولة وجرى اختزال الوطن في شخصية الأسد الهارب أو أبيه والقانون والأمن كان مسلطا على رقاب الناس وعندما سقطت هذه المنظومة لم يسقط معها منطقها لدى كثير من أتباعها فانتقلوا من ممارسة العنف باسم الدولة إلى ممارسة العنف ضد الدولة من دون أي مراجعة أخلاقية أو سياسية
ما شهدناه البارحة في الساحل السوري يؤكد هذه الحقيقة فالنزول المنظّم للفلول إلى الشارع وتلبيتهم دعوات شخصيات فقدت أي صفة وطنية جامعة كغزال غزال لم يكن تعبيرًا عن غضب عفوي ولا عن مطالب معيشية بريئة بل كان محاولة اختبار جديدة لهيبة الدولة ورهانًا مكشوفًا على الفوضى وإرباك المرحلة الانتقالية مرة أخرى فمن أمن العقوبة أساء الأدب
والأخطر أن هؤلاء الفلول لا يزالون أسرى وهم قاتل وهم أن الدولة يمكن أن تعود إليهم وأن ما خسرته السلطة او النظام البائد بالسقوط المروع يمكن استعادته بالشارع أو بالتحريض أو بالدم غير مدركين أن سوريا بعد التحرير ليست سوريا ما قبلَه وأن الأغلبية السنية التي دفعت الثمن الأكبر لن تسمح بإعادة إنتاج الحكم الطائفي ذاته ولا العقلية ذاتها فهيهات أن تعود الأمور كما كانت فقد كسر حاجز الخوف عند أول نقطة دم شهيد في الثورة وسقط النظام إلى غير رجعة
لقد كشفت أحداث الساحل أيضًا أن الطائفية ليست مطلب الناس بل أداة الفلول وأمثالهم فالغالبية من أبناء الساحل لم تخرج طلبًا للفوضى ولا للانقسام بل جرى الزج باسمها في مشهد يخدم مصالح ضيقة لأشخاص يحاولون الاحتماء بطائفة كاملة بعد أن فقدوا امتيازاتهم السياسية وهذه خيانة مزدوجة خيانة للدولة وخيانة للمجتمع الذي يدّعون تمثيله
وفي خضم هذا الواقع يبرز سؤال يتداوله السوريون بمرارة ودهشة لماذا لم تُفعّل المحاسبة حتى الآن ولماذا لم تأخذ العدالة الانتقالية دورها الحقيقي ليس بدافع التشفي أو الانتقام بل لأن غياب العدالة يترك الباب مفتوحًا أمام الأوهام ويغذي اعتقادًا خطيرًا بأن الإفلات من العقاب ما زال ممكنًا كل تأخير في الحسم القانوني يُقرأ من قبل الفلول كضعف لا كتعقّل وكفرصة للمغامرة لا كمساحة للمراجعة والمسامحة والسلم الأهلي الذي صدع رؤوسنا …
إن المشكلة في جوهرها لم تكن يومًا في الزيّ العسكري ولا في الموقع الوظيفي بل في سردية العقلية الاجرامية للنظام وأتباعه التي تعتبر القوة بديلًا عن القانون حيث كان السلاح بديلًا عن السياسة العامة للنظام البائد والقتل والسجن أداة مشروعة لتحقيق الغايات الطائفية القذرة وبالتالي من البديهي أن من قتل الشعب وهو في موقع السلطة لن يتحول إلى مواطن مسالم كيوت عندما يفقدها وخاصة بالساحل السوري معقل العصابة الاجرامية والنظام البائد
خلاصة القول على الدولة أن تركز على حماية المجتمع من أي تهديدات داخلية فالحسم عسكريا مع الفوضى لا يتعلق بالانتقام بل بتثبيت سيادة القانون ووضع حدود واضحة لكل من يحاول المساس بالأمن والاستقرار فلا مكان للسلاح خارج القانون ولا للتحريض على المجتمع السوري أو استغلال الفوضى لمآرب اخرى داخليا او خارجيا فالتساهل مع من يقوض الدولة يؤدي فقط إلى تأجيل المواجهة مع الاكثرية لا حلها فالدولة ليست ملزمة بإرضاء من لا يؤمن بها أصلا
إن هذه المقولة ليست شعارًا انفعاليًا بل توصيف دقيق لمرحلة خطيرة مرحلة إمّا أن تُبنى فيها دولة قانون تُحاسِب ولا تتغاضى أو تُترك فيها الجراح مفتوحة ليُعاد النزف بأشكال جديدة وسوريا بعد كل ما دفعته من دم وخراب لا تحتمل عودة القتلة بأسماء مختلفة بل تحتاج إلى عدالة واضحة وسلطة تحمي المجتمع لا تُبتز به فالفلول وغيرهم أمام الشعب كاملا نتيجة خاسرة حتميا للاغلبية وكما قال نابليون مايجعل المساواة عسيرة هي أننا نريدها مع المتفوقين علينا فاثنان لا تساوي الأريع او كما قال الشاعر
ما كان عصفوراً يزاحم باشقا إلا لطيشته وخفة عقله
أو
صغار النفس أكثرهم فسادا
وليس بهم لصالحة نهوض
ألم تر في كبار الطير صقرا يسالمنا
ويؤذنا البعوض
