في سياق قراءة داخل الاحداث لابد أن تقودنا القراءات المعمقة الي فضح ما هو مخفي وراء قضبان سجونها بدقة تلامس الواقع !
امريكا لم تعد تقود حربا فقط في اقليم الشرق الاوسط ..بل حربا موازية داخل صومعة مؤسساتها وحياتها السياسية ،فبعد اسابيع من قيام الحرب والتصعيد العسكري ضد ايران ،تحول الصراع من صيغة (معركة جيوسياسية الي معركة اختبار وجودي للنظام الأمريكي سياسيا من الداخل ).
حيث تتقاطع السلطة والاقتصاد والدستور والإعلام والرأي العام في حالة غير مسبوقة وتفرز نتاجات ربما تسبق التكهن بها ومنها :-
اولاً
نمط الحرب الخارجية الي أزمة داخلية
٢-انقسامات حزبية ومواقف متضادة غير مسبوقة
٣- ازمات دستورية بخصوص صلاحيات رئيس الدولة
٤- تصدع القرارات داخل منصات اتخاذ القرار
وهو ما يمثل شعار الحرب العسكري في (تقليص التهديد الايراني وتحجيم امتداداته ).
والحصيلة ولدت شكوك حول طبيعة الاهداف النهائية للحرب العسكرية والتي أنتجت (ان الحرب خرجت من غرف العمليات الي قلب السياسة الأمريكية )
ثانيا
الرئيس دونالد ترامب واجه موقفين وعليه الخيار وكلاهما له تبعات مكلفة ،وهو يقف امام معادلة قاسية وتاريخية :-
١- اما التصعيد العسكري وتحويل الحرب الي العالمية والكوارث في مسلسل :-
توسيع الحرب وربما الي احتلالات برية او ان تستمد الحرب المحدودة اطار الحرب الطويلة والمفتوحة بجانب ارتفاع الخسائر البشرية يصاحبها انفجاري اسعار الطاقة ومنتجاتها عالمياً!او
:-
المفاوضات والتسوية الخجولة او (التراجع وهو قمة الكوارث )او الظهور بمظهر المتراجع سياسيا لخدمة المحفل الدولي والذي يمثل حقيقة (خسارة جزء من القاعدة الصلبة والسمعة الدولية والذي سيعد اتهاما صريحا بالفشل بعد عملية ضخمة جندت لها كل الامكانيات )
والخلاصة :-
لا يتوفر ((مخرج نظيف ))من هذه الحرب ،فالخصم الإيراني عنيد وذيوله تسند دوره والعالم منقسم بصدد سياسة أمريكا الخارجية وممثلا في ثلاثي الموقف ((الصين وروسيا وكوريا الشمالية ))وهو محور صلب ومتحدي وطموح .
ثالثاً
الانقسام السياسي داخل امريكا اخطر من الحرب نفسها
فموقف الحزب الديمقراطي يصف الحرب بانها (اختيارية وربما مزاجية وفيها نوع من التهور السياسي إلا محسوب ).
كذلك الحرب اما اتهام ديمقراطي آخر بأنها (حرب عارية من الاستراتيجية الواضحة )وانما هي صنيعة تاثيرات خارجية تقف اسرائيل في مقدمتها.
انهم يحذرون من عواقب وازمات اقتصادية قادمة تكلف السياسة الأمريكية تبعات واقعية وتعبوية ودولية كثيرة .
موقف الحزب الجمهوري ذاته من الحرب
موقف داعم لخطاب الردع وتأديب ايران وتقديم نموذج عسكري لأمريكا في تصديها لكل من يعطل علاقاتها السياسية الخارجية ويهدد مصالحها الاستراتيجية!
لكن بالمقابل عدم الإفراط في جنون الحرب ،الأمر الذي خلق تزايد في القلق داخل التيار والمنظرة المحافظة،مع تزايد انتقادات خفية ودردشة خارج التنظيم لأسلوب الادارة .
داخل حياة مؤسسات الدولة
فيما يخص توجهات (البنتاغون )فهو يميل لتحقيق الإنجازات العسكرية بعيدا عن سرد المنغصات الناتجة عنها والمترتبة بذمة هذا الصنف ،في وقت يطالب به (الكونغرس )بالرقابة للمجريات العسكرية وما تحقق وما لم يتحقق !
في وقت الإعلام وهو القلب النابض للسياسة يعمق (الاستقطاب )ويطرح الرقابة والمساءلة والتتبع لكي يقول الكلمة !
والخلاصة
لم تعد المسألة (((هل الحرب صحيحة ام غير صحيحة )))،بل اصبحت (((هل الادارة الترامبية قادرة علي ادارتها دون تكاليف اقتصادية وإعلامية امريكياً ودولياً)))؟.
وهو ما تجتره السياسة الخارجية الاميركية في هذا الوقت الذي واصلت الحرب صفحاتها الثانية ولا زال طابع التمرد الإيراني وعدم تطويعها قائماً ومضيق هرمز (يختنق في سيولته الانسيابية للتجارة والعالم يتأمل ).
رابعاً
معركة القوة والصلاحيات !!!…من يحكم فعلاً؟؟؟
القضية خطورتها اليوم ليست ايران بل …….((( من يملك حق شن الحرب الطويلة دون معطلات ؟
هل تملك ادارة ترامب وهو علي ابواب انتخابات قريبة تجاوز الحدود الدستورية والعبور الي ضفة الحرب المستمرة مع ايران وقضايا هرمز في تململ الاقتصاد الدولي ؟
هل ستتحول الحرب العسكرية الي (حرب غير قانونية )تتحملها امريكا وإسرائيل وبعض الجمع من خيري الحروب ؟.
دخلت الولايات المتحدة الحرب ثانية والتقدير موضوعيا يطلب ما هو الجديد في الثانية عن الاولي ؟
هل في ظل هذا الاستمرار الذي يقطر ضئيلاً من النصر الأمريكي ستلزم الكونغرس علي الصمت والمشاهدة ولا يبادر علي التدخل بما يفتح باب مواجهة مؤسسية مع الادارة الأميركية؟
خامساً
ساحة الحرب وان تعددت صفحاتها العسكرية الخفية …..الاقتصاد !
ارتفاع متصاعد في اسعار الطاقة والنفط ،تهديد لسلاسل الامداد العالمي ،ضغوط علي الاسواق العالمية ،مظاهر من ركود تضخمي عالي .
الداخل الأمريكي
ذبذبة شعبية في ميزان التأييد الجماهيري ،قلق من ارتفاع اسعار الوقود امام دخولات الفرد الأمريكي الفقيرة ،تأرجح الانتخابات .
الاقتصاد هنا ليس نتيجة (للحرب) وانما سلاح داخلها !
سادساً (مبدأ التهديدات والتصريحات …….لغة علي حافة الانفجار )
تهديدات الرئيس ترامب والولوج في خندق الحرب المرحلة الثانية تحتي نهجاً مزدوجاً:-
١- استمرار الحرب العسكرية تاكيداعلي النصر الامريكي الساحق
٢-تهديد لمرحلة ثالثة بضربات اوسع واكثر أيلامالايران (موجعة واضطرارية وربما النووي )
٣- طرح خيارات قاسية لنظام ملالي ايران (تدمير منابع الطاقة كاملة ،تدمير البنية التحتية،تأليب مباشر لاسقاط النظام .
لكن لهذا الأسلوب وهذه اللغة مردودات
١-
تحقق ارتفاع في منسوب التوتر .
٢- الدولي
٢- تزيد من وتيرة الضغط الداخلي .
٣- تضع الادارة الامريكية تحت مجهر المصداقية
سابعاً (سيناريوهات ما بعد الحرب بمسلسلها التتابعي )
السيناريو الاول
١- تسوية خجولة ومتواضعة لها ثمن
٢- ضغط اقتصادي سياسي يدعو الطرفين علي التهدئة
٣- اتفاقيات عامة وجزئية تحفظ ماء الوجه
السيناريو الثاني (تصعيد شامل)
١- فتح مضيق هرمز مع سيطرة دولية وإشراف امريكي
٢- توغل عسكري متنوع وضربات داخل ايران
٣- إشراك دول الإقليم العربي في المعركة
٤- انفجار في سوق الطاقة العالمية .
السيناريو الثالث(الاستنزاف الطويل ضد ايران )
١- معركة لا حرب شاملة وكلفة ولا سلام
٢- ضربات مطلوبة متقطعة وهادفة لكل تحرك إيراني (رصد ومراقبة وحصارات )
٣- حصار اقتصادي قاسي وإنهاك سياسي منوع .
الخلاصة النهائية وخاتمة التحليل
في حقل القراءة المعمقة نقول بصيغة الاستفسار ….ما الذي تغير في استئناف الحرب الثانية ضد ايران فعلا؟؟؟
١- هذه الحرب كشفت الكثير في مجال التحولات الحظيرة وهي ما يلي :-
١- أن الرأي الأمريكي السياسي بات مؤمناً بان الحروب التقليدية لم تعد توحد الداخل الأمريكي
٢- تأكل عوامل الثقة في الإدارات السياسية الأميركية حتي في داخل الحزب الحاكم
٣- عودة السؤال الدستوري بقوة الي من يملك القرار للحرب
٤- تحويل الاقتصاد الي سلاح استراتيجي وليس مجرد نتيجة .
وختاماً الحرب مهما تعددت صفحاتها مع ايران لم تفجر الشرق الأوسط فقط ….بل فجرت توازنات واشنطون نفسها !
فالولايات المتحدة الأميركية اليوم تواجه خصوما بدلا من خصم خارجي فحسب بل تواجه اختباراً داخلياً في صلابة جدران نظامها السياسي ومحيطها المتحالف ،وفي ظل هذا المشهد المعقد والمؤذي ،قد لا يكون السؤال :-(من سينتصر عسكرياً……….بل من سيصمد سياسيا واقتصاديا في نهاية المطاف ؟؟؟
استاذ دكتور طارق السامرائي/جامعة ترنتي
