25 أغسطس، 2026 - 4:29 مساءً
مقالات وآراء

مَفاهِيمُ وَمُصْطَلَحات.. مُتَلازِمَةُ سْتُوكْهُولْم.. المَفْهُومُ ، النَّشْأَةُ، وَالأَسْبَابُ

د. عبد الرحيم الشويلي

د. عبد الرحيم الشويلي

 

مِنْ غَرَائِبِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ أَنَّ الخَوْفَ الشَّدِيدَ قَدْ يَصْنَعُ أَحْيَانًا رَابِطَةً بَيْنَ الضَّحِيَّةِ وَمَنْ يُهَدِّدُهَا.
في هذه الحلقة من سلسلة «مفاهيم ومصطلحات» نسلّط الضوء على مفهوم نفسي شاع تداوله في السنوات الأخيرة، وأصبح حاضرًا في أحاديثنا وكتاباتنا، وهو «متلازمة ستوكهولم»؛ ذلك المصطلح الذي يصف حالة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع المنطق، حين تُظهر الضحية تعاطفًا أو تعلّقًا عاطفيًا بالشخص الذي يحتجزها أو يؤذيها، وقد يصل الأمر إلى الدفاع عنه أو تبرير بعض أفعاله.
لكن هذه الاستجابة لا تعني بالضرورة أن الضحية تتقبل الأذى أو ترغب فيه؛ إذ يمكن فهمها، في بعض الحالات، بوصفها استجابة نفسية معقّدة للتعامل مع الخوف والعجز والتهديد المستمر.
أَصْلُ التَّسْمِيَةِ
ظهر مصطلح «متلازمة ستوكهولم» بعد حادثة سطو مسلح وقعت في العاصمة السويدية ستوكهولم عام 1973، عندما احتُجز عدد من موظفي أحد البنوك رهائن لعدة أيام. وبعد انتهاء الأزمة، أظهر بعض الرهائن مشاعر إيجابية تجاه خاطفيهم، وأبدوا مقاومة لفكرة إدانة الخاطفين أو التعاون مع السلطات ضدهم.
ومن هذه الحادثة ارتبط اسم ستوكهولم بهذا النمط من الاستجابة النفسية، وأصبح المصطلح متداولًا في علم النفس والإعلام لوصف حالات مشابهة. وقد صاغ المصطلح الطبيب النفسي وعالم الجريمة السويدي نيلس بييروت.
مَاذَا تَعْنِي المُتَلازِمَة؟
تُشير متلازمة ستوكهولم إلى حالة قد تنشأ في ظروف الأسر أو الاحتجاز أو التهديد الشديد، فتتطور لدى الضحية مشاعر إيجابية أو ارتباط نفسي تجاه المعتدي، في مقابل مشاعر سلبية تجاه من يحاول إنقاذها.
وقد تظهر هذه الاستجابة في صور متعددة، منها:
التعاطف مع المعتدي أو الخاطف.
تبرير سلوكه أو التقليل من خطورته.
الدفاع عنه أمام الآخرين.
الشعور بأن المعتدي هو مصدر الأمان الوحيد المتاح.
الريبة من المنقذين أو السلطات.
الخوف من فقدان المعتدي أو تعرّضه للأذى.
وهنا تكمن المفارقة: الشخص الذي يمثل مصدر الخطر قد يتحول، في إدراك الضحية، إلى مصدر مؤقت للأمان.
لِمَاذَا يَحْدُثُ ذَلِكَ؟
لا يوجد تفسير واحد يمكن أن ينطبق على جميع الحالات، كما أن المتلازمة ليست تشخيصًا نفسيًا رسميًا مستقلًا، ولا توجد معايير تشخيصية موحّدة تجعلها اضطرابًا قائمًا بذاته. لذلك ينظر إليها كثير من الباحثين بوصفها وصفًا لنمط من الاستجابات النفسية التي قد تظهر في ظروف الأسر والتهديد والصدمات الشديدة.
ومن أبرز العوامل التي قد تساعد على ظهور هذا النمط:
أولًا: الخوف والتهديد المستمر
عندما تعيش الضحية في حالة خطر دائم، يصبح عقلها منشغلًا بالنجاة قبل أي شيء آخر.
ثانيًا: العزلة
عزل الضحية عن الأسرة والمجتمع ومصادر الدعم يجعل المعتدي، paradoxically، الشخص الوحيد الموجود أمامها بصورة مستمرة.
ثالثًا: الاعتماد الكامل على المعتدي
عندما تصبح سلامة الضحية مرتبطة بتصرفات شخص واحد، قد تتضخم أهمية أي سلوك إيجابي يصدر عنه، مهما كان صغيرًا.
رابعًا: التناوب بين القسوة واللطف
قد يؤدي الانتقال المتكرر بين التهديد والمكافأة، أو العنف والهدوء، إلى خلق ارتباط نفسي شديد التعقيد، خصوصًا عندما تشعر الضحية أن لحظات اللطف هي الفرص الوحيدة المتاحة للنجاة.
خامسًا: البحث عن الأمل
في الظروف القصوى، قد تتمسك الضحية بأي إشارة إيجابية من المعتدي، وتمنحها معنى أكبر مما تستحق، لأنها تحتاج نفسيًا إلى الاعتقاد بأن الخطر يمكن احتواؤه.
وهذه الاستجابات لا تعني ضعف الشخصية أو الرضا بالعنف، بل قد تكون جزءًا من محاولة الإنسان التكيف مع ظروف استثنائية وقاسية.
هَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى حَالاتِ الاِخْتِطَافِ؟
ارتبط المصطلح تاريخيًا بحالات احتجاز الرهائن، إلا أن بعض الباحثين استخدموا المفهوم لمناقشة أنماط من الارتباط النفسي قد تظهر في ظروف أخرى تتسم بالعزلة والتهديد والاعتماد واختلال ميزان القوة، مثل بعض العلاقات المؤذية أو حالات الاستغلال والاتجار بالبشر.
لكن من المهم عدم استخدام المصطلح بصورة فضفاضة لوصف كل شخص يبقى في علاقة مؤذية؛ فالعنف الأسري والعلاقات السامة ظواهر معقدة لها تفسيرات نفسية واجتماعية متعددة، ولا يعني بقاء الضحية في العلاقة بالضرورة أنها تعاني «متلازمة ستوكهولم».
المَفَارَقَةُ النَّفْسِيَّةُ
ربما تكمن أكثر جوانب هذه الظاهرة إثارة للتأمل في أن الإنسان، عندما يشعر بأنه محاصر ولا يملك السيطرة على مصيره، قد يعيد ترتيب مشاعره تجاه مصدر الخطر نفسه.
فبدلًا من أن يقول العقل: «هذا الشخص يهدد حياتي»، قد يبدأ تدريجيًا في البحث عن أي سلوك إيجابي يصدر عنه، ثم يعلّق عليه شعورًا بالأمان.
وهكذا يصبح النجاة أحيانًا أهم من الحقيقة، ويصبح التعلّق وسيلة للتكيف مع واقع لا تستطيع الضحية تغييره.
الخُلاصَة
تكشف متلازمة ستوكهولم عن جانب بالغ التعقيد في النفس البشرية؛ فالإنسان لا يستجيب للخطر دائمًا بالطريقة التي نتوقعها، وقد تؤدي العزلة والخوف والاعتماد والعجز إلى استجابات تبدو متناقضة مع المنطق الخارجي.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع المصطلح بحذر علمي؛ فهو ليس تشخيصًا نفسيًا رسميًا مستقلًا، ولا يمكن استخدامه لتفسير كل علاقة بين ضحية ومعتدٍ.
إن فهم هذه الظاهرة لا يعني تبرير المعتدي، بل يساعدنا على فهم كيف يمكن للإنسان، تحت أقسى ظروف التهديد، أن يعيد تشكيل مشاعره وسلوكه بحثًا عن أبسط فرصة للبقاء.
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
25 آب/أغسطس 2026م

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94877