6 يونيو، 2026 - 3:07 صباحًا
مقالات وآراء

قصة حقيقية قصيرة حدثت معي يومًا.. بقلم د. رياض الدليمي

في ضوء ما يشهده العراق الجديد من تحولاتٍ عاصفة وتحدياتٍ متلاحقة، أصبحت مظاهر السلاح المنفلت مشهدًا يوميًا مألوفًا، يرمز إلى ضعف الدولة وتراجع القيم، لا إلى القوة أو الكرامة كما يتوهم البعض.
تبدّلت منظومة الأخلاق، وتهاوت ركائز النخوة والمروءة، وغابت الإنسانية التي كانت عنوانًا راسخًا للعراقيين على مرّ العصور.
لم يعد الخلاف يُحل بالحوار أو القانون، بل بالسلاح والغضب والجهل، حتى صارت الرصاصة أسرع من الكلمة، وغاب صوت الحكمة أمام فوضى القوة.

وفي ظل هذا الواقع المتأزم، تبرز الحاجة الماسّة إلى استعادة روح العراق الحقيقي؛ عراق الشهامة، والتسامح، والرجولة الهادئة التي تحقن الدماء وتصلح بين القلوب.
ومن هذا الوجع الإنساني كتبتُ هذه القصة الحقيقية «مائدة الحدود»، لا لأروي حادثة عابرة، بل لأستخلص منها عبرةً نحتاجها في زماننا هذا – علّها تذكّرنا بأن الكلمة الطيبة يمكن أن تبني ما لا تبنيه البنادق، وأن العدل لا يتحقق إلا حين يكون العقل هو الحاكم والقانون هو الفيصل.

القصة

في سهول بغداد – الراشدية، مسقطِ رأس السيد الوالد، حيث تتنفس الأرض رائحة الطين والماء، وحيث تمتد السنابل كأنها صفحاتٌ من دعاء، كانت لنا مزرعة نعيش من خيراتها ونعتز بترابها كما نعتز بالأهل والبيت.
لكن تلك الأرض التي جمعتنا بالخير، كادت يومًا أن تفرّق بيننا وبين جارٍ عزيز، بسبب شبرٍ من تراب، وحدودٍ غامضة، وماءٍ شحيح.

بدأ الخلاف صغيرًا، لكنه سرعان ما تضخّم حين احتدم النقاش بيننا وبين أبناء الجار. كنّا نسقي الزرع وقتها، وحين تعالت الأصوات واشتعل الغضب، اندفعوا نحونا بالعصي والكركات.
حملنا أسلحتنا النارية الخفيفة التي نحتفظ بها للحماية من الحيوانات ليلًا، وأطلقنا بضع طلقاتٍ في الهواء تحذيرًا لا تهديدًا، نُعلن بها رغبتنا في تجنّب الأذى لا في إيقاعه.

تراجعوا بعدها، وغادرنا المكان بهدوء. لم نهرب، بل اخترنا السلام، لأننا أدركنا أن من يزرع الغضب لا يحصد إلا الخسارة.
كنا نعلم أن العودة إلى البيت في تلك اللحظة كانت أشجع من البقاء في حقلٍ يُوشك أن يشتعل.

حين علم السيد الوالد بما جرى، لم يغضب، ولم يوبّخ أحدًا. جلس هادئًا، كأنه يرى ما وراء المشهد، وقال بنبرةٍ هادئةٍ عميقة:

“الخلاف، يا ولدي، لا يُحل بالسلاح، بل بالكلمة.
والماء لا يُحيي الأرض إن اختلط بالغضب والدم.”

في اليوم التالي، دعا السيد الوالد الجار وأبناءه ووجهاء المنطقة إلى مأدبةٍ كبيرةٍ في المزرعة.
كانت المائدة عامرةً بما لذّ وطاب، لكنها كانت عامرةً قبل ذلك بروح الصلح والكرامة. حضر الجميع، وتبادلوا التحايا، وأحضر الوالد مسّاحين من البلدية لتثبيت الحدود أمام الجميع.

تم تحديد الخطوط ووُضعت العلامات، واتفقنا على بناء سياجٍ فاصلٍ مناصفةً، لا ليقسم القلوب، بل ليحفظ الحقوق.
وفي نهاية اليوم، تصافح الجميع، وارتسمت على الوجوه ابتساماتٌ صافية، كأن المطر غسل ما علق فيها من غبار الخصومة.

العبرة

ذلك اليوم لم يكن مجرد صلحٍ بين جارين، بل درسًا في معنى الرجولة والحكمة.
تعلّمت من والدي أن الأرض التي تُروى بالماء تزدهر، أما التي تُسقى بالعداوة فتذبل وتموت.
وأنّ الكلمة الطيبة تفتح الأبواب المغلقة، وتُشيّد جدارًا من الأمان أقوى من أي سورٍ من حجر.
وأنّ القلوب الكبيرة وحدها تعرف كيف تنتصر دون أن تُهين أحدًا.
فالكرم في الموقف أعظم من الكرم في الطعام،
والسِّلم الذي يُصنع بالعقل أبقى من النصر الذي يُصنع بالسلاح.
وأنّ الحكمة هي السلاح الأسمى، لا تُريق دمًا، لكنها تُنبت سلامًا.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=88147

موضوعات ذات صلة

الدكتور محمد العرب يكتب.. «الحضارم: أبناء الحضارة وصناع النهضة»

admin

بين “هندسة الخراب” وضياع الهوية: هل العراق وطنٌ أم ؟!

admin

محمد العرب: انكشاف العدو.. حين هُزم الكيان في حرب الظل ولا تسألني من هزمها ولكن فكر لتعرف؟

admin

سعاد عزيز تكتب.. مفتاح باب الحرية في إيران

admin

عندما تتحول الجريمة إلى تحرير والقانون محلي لا دولي.. !ماذا يحدث ؟

admin

النائبة ألفت المزلاوي تكتب.. ما يجب أن تفهمه اسرائيل هذه المرة

admin