21 يونيو، 2026 - 4:00 مساءً
مقالات وآراء

من غزة إلى باكستان: كيف ولد ناتو الشرق الاوسط.. بقلم: زياد عبد الرحمن ايوب

ما يجري في الشرق الاوسط اليوم اخطر بكثير من حرب واعمق من هدنة وابعد من ملف فلسطيني يعاد تدويره كلما دعت الحاجة نحن امام لحظة اعادة هندسة كاملة للنظام الاقليمي حيث تستخدم غزة كبوابة وباكستان كضامن والتحالفات كادوات فرض لا كخيارات تفاوض من يعتقد ان ما يحدث هو محاولة انقاذ او تسوية انسانية لم يدرك بعد ان القرار قد اتخذ وان التنفيذ بدأ بلا رجعة

الملف الفلسطيني عمليًا اغلق اقليميًا عبر صفقة كبرى شاركت فيها تركيا والسعودية ومصر وقطر وبرعاية امريكية مباشرة هذه الصفقة لا تستهدف انهاء الصراع ولا تحقيق عدالة بل اعادة تنظيمه بما يخدم ترتيبات اوسع عنوانها اعادة تشكيل الشرق الاوسط وفق ميزان قوى جديد لا مكان فيه للعواطف ولا للشعارات

ما يتشكل اليوم ليس محور تهدئة بل تحالف صلب متعدد الابعاد سياسي عسكري مالي ونووي دخول باكستان كقوة نووية الى هذا المسار الى جانب الثقل المالي السعودي والقدرة العسكرية والسياسية التركية والدور القطري بوصفه حلقة الوصل السياسية والدبلوماسية في الملفات الحساسة مع واشنطن يضعنا امام كتلة استراتيجية تصمم لتكون ناتو الشرق الاوسط

هذا التحالف لا يبنى لحماية شعوب المنطقة بل لضبطها ولا يسعى لحل الازمات بل لارادتها بكفاءة اعلى ولمنع تمدد الصين وروسيا في الشرق الاوسط وتأمين المصالح الامريكية باقل كلفة مباشرة

في المقابل هناك اطراف استهلكت وانتهت صلاحيتها الدور الاماراتي كما عرف خلال العقد الماضي لم يعد مطلوبًا في الحسابات الامريكية العقوبات على شركات اماراتية والاتهامات العلنية بدعم جماعات مصنفة ارهابية وعلى رأسها الحوثيون ليست تفصيلًا قانونيًا ولا صدفة سياسية بل رسالة واضحة من يخرج عن خط التحالف الجديد يجرد من الغطاء ويعاد تأديبه علنًا

اما اسرائيل فقد انتهت مرحلة العربدة المفتوحة لم تعد اللاعب المدلل بلا قيود بل جرى ادخالها الى قفص قواعد اشتباك صارمة وحدود حركة محسوبة لقاءات واشنطن مع قادة اجهزتها الامنية وعلى رأسها رئيس الموساد ليست للتشاور بل لتلقي التعليمات وتحديد الدور المرسوم في المرحلة المقبلة

خرائط جديدة على الارض

ضمن هذا السياق تصبح التحولات الميدانية المتوقعة منطقية لا مفاجئة تقدم الجيش السوري على حساب قسد بدعم تركي وصمت اسرائيلي محسوب انسحاب اماراتي متسارع من اليمن الغاء كامل لاتفاقيات الصومال وما ترتب عليها من ترتيبات امنية واقتصادية وتراجع هادئ من السودان دون بيانات ولا ضجيج اعلامي جميعها خطوات تندرج ضمن اعادة ترتيب المسرح الاقليمي لا تغيير النص وضبط اللاعبين وفق قواعد المرحلة الجديدة

كما لا يبدو مستبعدًا صدور بيانات متزامنة في توقيت واحد من تركيا والسعودية ومصر وقطر والولايات المتحدة تعلن بدء اجراءات تنفيذ قرار خاص بغزة والضفة الغربية عبر تمكين لجنة واحدة لارادة المنطقتين خطوة تهدف عمليًا الى تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني الى ملف اداري تحت وصاية دولية منسقة

الثمن المطلوب

الثمن واضح ولا لبس فيه ايران هي الهدف المركزي عسكريًا وسياسيًا مع تضييق الخناق الاقتصادي على الصين واعادة رسم خطوط التجارة والنفوذ في الشرق الاوسط اما الشعوب وحقوقها وعدالة القضايا فهي تفاصيل مؤجلة في دفاتر الكبار

الخلاصة القاسية التي لا يرغب كثيرون في سماعها ان ما نشهده ليس فشلًا سياسيًا ولا ارتباكًا دوليًا بل نجاحًا كاملًا لمشروع فرض الوقائع غزة لم تكن سوى المدخل وفلسطين لم تعد سوى ورقة تفاوض اما الشرق الاوسط فقد دخل رسميًا مرحلة التحالفات القسرية حيث تدار الشعوب ولا تستشار وتقايض الجغرافيا مقابل الامن والمصالح

التحالف الجديد لا يعد بالاستقرار بل بالضبط والسيطرة لا يسعى للسلام بل لارادة الصراع بادوات اكثر فاعلية ومن يقف خارجه سيعاقب او يهمش او يستبدل اما من ينتظر نتائج عادلة من هذه الصفقة فعليه ان يدرك ان العدالة لم تكن يومًا بندا على طاولة الاقوياء

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=89453