23 يونيو، 2026 - 10:10 صباحًا
سليدرمقالات وآراء

العراق.. حين تصنع الهزيمة جيلاً للانتصار.. بقلم: د. باهرة الشيخلي

لم تكن لحظة خروج المنتخب العراقي من سباق كأس العالم مجرد خسارة رياضية عابرة تُقاس بنتيجة مباراة أو بعدد النقاط على جدول المنافسة، بل كانت لحظة ثقيلة على قلوب ملايين العراقيين الذين انتظروا طويلاً رؤية أسود الرافدين وهم ينافسون بين كبار العالم، ويحملون اسم العراق إلى أعلى المنصات الكروية.
الحزن الذي خيّم على الجماهير مفهوم ومبرر، فالأحلام الكبيرة عندما تتعثر تترك وراءها شعوراً بالخيبة. لكن قراءة المشهد بعين أكثر هدوءاً تكشف حقيقة مختلفة؛ فالمسيرة الرياضية للأمم لا تُبنى على انتصار واحد، كما أنها لا تنهار بسبب خسارة واحدة.
لقد كان الوصول إلى المونديال بحد ذاته محطة مهمة في مسار الكرة العراقية، ونتاج سنوات من العمل والتحديات والإصرار. فالمنتخب لم يصل إلى هذا المحفل العالمي صدفة، بل عبر طريق طويل من الجهد والتضحيات والإيمان بالقدرة على العودة إلى المكانة التي يستحقها العراق في خارطة كرة القدم الدولية.
ورغم أن النتائج لم ترتقِ إلى حجم الطموحات، فإن المشاركة كشفت عن مكسب استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في بروز جيل واعد من اللاعبين الشباب. هؤلاء لم يكتسبوا فقط دقائق لعب إضافية، بل حصلوا على خبرة عالمية حقيقية من خلال الاحتكاك بمدارس كروية متقدمة، وهو نوع من الخبرات لا يمكن توفيره في المعسكرات التدريبية أو البطولات المحلية مهما بلغت أهميتها.
لقد أثبتت التجربة أن العراق لا يعاني من أزمة مواهب، فالأسماء الشابة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن خزينة الكرة العراقية ما زالت غنية بالقدرات والإمكانات. لكن النجاح المستدام يحتاج إلى ما هو أبعد من الموهبة؛ يحتاج إلى مشروع متكامل يقوم على التخطيط طويل الأمد، وتطوير البنية التحتية الرياضية، والارتقاء ببرامج إعداد الفئات العمرية، وتعزيز ثقافة الاحتراف داخل الأندية والمنتخبات الوطنية.
التاريخ الكروي العالمي مليء بنماذج لمنتخبات تعثرت في البدايات قبل أن تتحول إلى قوى كبرى. فالهزيمة في كثير من الأحيان ليست نهاية الطريق، بل نقطة الانطلاق نحو مراجعة الأخطاء وتصحيح المسار وبناء منظومة أكثر قوة وصلابة.
وفي هذه المرحلة تحديداً، يحتاج المنتخب العراقي إلى الدعم أكثر من حاجته إلى الأحكام القاسية، وإلى الثقة أكثر من حاجته إلى جلد الذات. فالنقد الموضوعي مطلوب، لكنه يجب أن يكون وسيلة للتطوير لا أداة للهدم، وأن ينطلق من الحرص على المستقبل لا من الانفعال بلحظة عابرة.
لقد خسر العراق فرصة كان يتمناها الملايين، لكنه لم يخسر مشروعه الكروي. وعلى العكس من ذلك، قد تكون هذه التجربة واحدة من أهم المحطات التي ستسهم في صناعة منتخب أكثر نضجاً وخبرة وقدرة على المنافسة خلال السنوات المقبلة.
ستبقى جماهير العراق كما عهدناها، وفيةً لمنتخبها في لحظات الانتصار كما في أوقات التعثر. وسيبقى الحلم العالمي حاضراً في وجدان العراقيين، لأن الأحلام الكبرى قد تتأخر، لكنها لا تنطفئ.
نحزن اليوم لأننا نحب هذا المنتخب ونؤمن به، لكننا نتمسك بالأمل لأن المستقبل ما زال مفتوحاً أمامه. فبعض الهزائم لا تكتب نهاية الحكاية، بل تكون الفصل الأول في قصة نجاح أكبر.
لقد خسرنا النتيجة… لكننا ربما ربحنا ما هو أهم منها: جيلاً جديداً قادراً على صناعة مستقبل الكرة العراقية

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93531