1 يوليو، 2026 - 5:13 مساءً
مقالات وآراء

مجرد رأي عبر الاحداث.. هل يتوهم البعض أن الفساد في العراق حالة طارئة ام مشروع مبرمج ؟

بقلم/استاذ دكتور طارق السامرائي

من نافلة القول أن لا نحلل النتائج قبل معرفة الاسباب !
الفساد في العراق ومنذ الاحتلال الغاشم والمؤامرة الدولية عام ٢٠٠٣ خط التاريخ بقلمه الأسود مرحلة تترية منغولية جديدة اعترت العالم ،ضاعت فيها مبادئ العدل والإنصاف وبات الفساد ميزة تلتحف كل توجه خارج القانون الدولي والشرعية الدولية واصبح الأمر سلوكاً استراتيجيا ونمط إمبريالي ومنهج ساري المفعول واخر حلقاته كان في مخدع رئيس دولة فنزويلا الخاص وبلا ادب ومقدمات جره وزوجته الي قلعة الحساب الأمريكية والعالم يشاهد العزلة مبهوراً من هذا التصرف من قبل دولة سيدة العلم والثقافة وتماثيل الحرية ومنبر دعوات الديمقراطية !
الولايات المتحدة الأمريكية احتلت العراق كنتيجة للعلاقات مع اللوبي الصهيوني وايران واختفت الاسباب الحقيقية لهذا الغزو البربري ،الامر الذي ادي إلي توطين الفساد واستشراء دائرته وتعميم سلوكياته وكاد أن يكون مهنة تباع وتشتري في أسواق النخاسين وعلي كل المستويات افقيا وعموديا
وفي كل كشف مصنع تكتشف فيه قضية فساد كبري تشغل الرأي العام بملابساته وتفاصيل تحقيقاته وطبيعة الجريمة والنتيجة التبرئة وعدم توفر الشروط والعودة إلي ميدان العمل وترسيخ الفساد وسرقة اموال الوطن وحق الشعب العراقي !
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح هو (ليس الفساد ومن هو الفاسد ؟ كنتيجة لهذا الميدان السئوالمدمر بل السؤال :- ما هي الاسباب التي صنعت هذا الفساد والفاسدين ؟)
ومن الذي نصبه في الموقع لكي يكون اداة للفساد ؟
ان سياقات العملية الوظيفية في الحياة المهنية ان المناصب تحمل وراءها حلقات من التقيم والتزكية للمواصفات والخبرة والاختصاص والنزاهة والشفافية والمكانة الاجتماعية والعلمية ،فوراء كل منصب قرار سياسي ووراء كل قرار سياسي دولة وجهات مسؤولة منحته الثقة وأهلته للمنصب وفتحت له ابواب النفوذ والتصرف لصالح البلد والشعب !
وخلال الحقبة الاخيرة من عام ٢٠٢٣ وحتي مستجدات الاسبوع الماضي من عامنا ٢٠٢٦ اجتاحت دولة العراق موجة من ما دعته السلطات (محاربة الفساد ) ويتم في ضوء ذلك اعتقال مسؤول او عصابات تهريب مخدرات او اموال مغسولة او اشتباه وتحويلهم للقضاء الذي يديره من هو في موكب هذه المسيرة فائق زيدان ممثلا للعدالة والقانون ،لكن هذا لا يعني ان الدولة بدأت تحارب الفساد وحيتانه الكبار معصومين من المتابعة القانونية لتوفر عامل الحصانة القانونية لديهم والذين هم من صنع طبقة الفساد وذلك المسؤول ومنحوه السلطة والنفوذ بمنأي عن كل مساءلة سياسية او اخلاقية !
اين معايير الكفاءة التي تحكم تنصيب الفاسدين مواقع اتخاذ القرار وصيانة حقوق الشعب ؟وهل هي معايير الولاء والانتماء الطائفي والايراني والمحاصصة السياسية لاحزاب شيعة ايران ؟
هذه الاسئلة تطرح نفسها لاننا نتابع فصول سيناريو له نتائج نفسية ايجابية موسمية بغرض (تهدئة المناخ السياسي والشعبوي الذي ربما يتفجر وايران علي المذبح في حربها مع امريكا وإسرائيل (حرب الغزل والمناوشات )، وانما هي جوهر كل نظام يحترم (مبدأالمسؤولية السياسية )
الفساد لا يولد من فراغ ،بل ينمو داخل بيئة سياسية تحميه وترعاه وتمنحه النفوذ والقوة)
والملاحظ من سيناريو اعتقال البعض من الشخوص بدعوي( التحقيق بقضايا الفساد ) انما هو فصل مسرحي مضحك اعتادت الطبقة الحاكمة في عراق ما بعد ٢٠٠٣ ان تمارسه وتقدم مونتاج لكي تمتص ردود فعل (كلما انفجرت فضيحة )،في وقت تبقي المنظومة التي أنتجت الفساد معافاة وبعيدة عن يد القانون والمسأءلة ،تحت غطاء أن المشكلة في شخص وليس في آليات طبيعة النظام يقوم علي سلوك الطائفية والذيلية والولاءات العقائدية الإيرانية وتقاسم الكعكة، وتظهر للعيان أن محاسبة فاسد خطوة لتطهير طبيعة النظام من أدران الفساد العام لا (كسياق عمل ممنهج وانما كظاهرة وجدت لكي تستديم ).
ومن سلامة المنطق أن نقول ان (الدول لا تنهار لوجود الفساد ،لكنها تنهار عندما يتحول الفساد الي مشروع سياسي ،والتعيين فيه من الفاسدين مكافأة علي علي النزاهة والكفاءة والخبرة !وانما علي الولاء للمصدر ! )
فتصبح الدولة عبارة عن كارتونات مؤسسيةلتوزيع النفوذ بدلا من خدمة الشعب وقضاياه الحياتية .
الاسباب قبل النتائج ضرورة كشفها معرفتها قرائتها وتشخيص أثارها ،فالعراق كدولة ونظام سياسي فاشل لا يحتاج الي أسواق المتاجرة بشعارات القضاء علي الفساد ،بل يحتاج الي قاعدة وشعار (كل من يرشح مسؤولا لمنصب يتحمل المسؤلية القانونية عندما يحدث الشذوذ في العمل )
الفاسد ليس وحده من يسرق مال الشعب ،بل من يصنع الفاسدين ويحميهم ويدفعهم لساحة الفساد ومواقع صنع القرار شريك اولي في الجريمة .حيث يتشارك الجميع في نهب وسلب المال العام بكل حريةً وأريحية.
والسؤال الأكثر ألحاحا هو هل تؤشر حملات مكافحة الفساد الأخيرة سلوك ذا طابع جدي ام تمارس بشكل انتقائي لتجاوز ارهاصات المرحلة وتحقيق رضا موسمي لأمريكا بخداع ترويضي إيراني تم في زيارة المسعور (أا قاني) للعراق مؤخرًا ؟.
في عراق اليوم لم تبقي مشكلة الفساد ظاهرة في (غياب القوانين لمكافحة الفساد )بل في معيار واحد لتطبيقها !
فالنظام الحالي في العراق والتي أعلنت الحرب علي الفساد مطالبة اولا ان (القانون يسري علي الجميع بنفس القدر لان الفساد هو فساد وان تنوع حجمه وأساليبه )وان لا يتحول ضد خصوم سياسيين يراد الإزاحة بهم وأثلاج صدور المستغفلين والتلاعب بضرورات المرحلة .
الكثير من العراقين فقدوا (الثقة بالنظام وطريقة تداوله )وان مكافحة الفساد لا تسير وفق معايير العدالة وانما وفق قضم ازمات المرحلة ومحاولة استدرار العطف الجماهيري ثم تعود (حليمة لعادتها القديمة )!
فهناك ملفات صارخة تدين المؤمن والشيطان لكنها مركونة علي الرفوف لسنوات وأسماء حيتان الفساد ومروجيه لكنهم (في أمان وطمأنينة ).
كما ان اجراء التحقيقات تكون (صورية وسريعة وجلها يأتي بالإفراج ).فالدولة التي تعيش في حضن دولة كما الحال في العراق يتسيدها الفاسد الاول (فائق زيدان )ملهم فساد إلا عدالة !
هذا التناقض امام واقع ملموس هم ما يزرع الشك واليقين في نفوس العراقيين اكثر مما يزرعه الفساد نفسه كظاهرة وتطبيق .
ولعل الخطأ الاستراتيجي النفسي هو محاولة اختزال هذه الظاهرة في (بعدها القومي أو الطائفي فقط )
المشهد في العراق اعمق تعقيدا،فالطائفة ليست في العامل الاول بل تتمازج معها (الولاءات الحزبية الذيلية والمرتبطة بتيارات خارج الوطن ).
واقول بكلّ جرأة (ان الوصف الأدق لما يجري ليس مكافحةفساد بل تكتكة تقوم لصالح الطائفية وتقوم علي معاناة انتقائية سياسية تتداخل فيها الاعتبارات الحزبية والطائفية وموازين القوة ،فالخصومات السياسية قد تفتح ملفا،بينما التحالفات السياسية قد تغلق ملفا آخر ).
إن اخطر ما في هذا التكتيك الانتقائي انها لا تحمي الفاسدين فقط (بل تقويض ثقة الشعب العراقي بكل مؤسسات الدولة )
خاصة عندما يلمس المواطن أن لا (مكان للعدالة وهي تقاد بشيخ الفساد فائق زيدان )وانها تطبق عي الرعيل الثالث او من فقدت فيهم الامانة الخيانية او من يفرج عنهم بعد حين وبالمساومة .
لذلك فما يجري عن مكافحة الفساد ماهو إلا (شعار سياسي تكتيكي ).
ان عملية مكافحة الفساد لا تقاس بعدد الأوامر الصادرة او عدد المقبوض عليهم بل (بمدي نوعيتهم واستشراء فسادهم وفساد حقل القضاء وبقدرة الدولة علي ملاحقة حيتان الفساد ومافياتها )
القانون لا يكون قانونا عادلا إذا تغير بأثر قوي التحالفات الخيانية ،والعدالة لا تكون عدالة اذا تيتمت بيد الجلادين واعداء الوطن .
ان معركة العراق مع الفساد لن تحسم !!!
لن تحسم باعتقال بعض الشرذمة !!!
بل تحسم عندما يكون القرار وطنيا وشجاعا ويطال فيه حيتان الفساد من الطراز الاول !!!
انذاك ستعم القناعة لدي الشعب بان (الفاسد يحاسب لانه فاسد )لا لانه اختلف مع الاخرين او خسر نفوذه !
فان كانت العملية كما يدعي لها بادرة خير علي طريق الاصلاح فاننا واهمون !!!
سنقتنع عندما نتحدث عن (دولة مؤسسات )لا عن دولة (تدار فيها ملفات الفساد حسب موازين الخيانة الجزئية او النفعية )!!!
ان الشعب العراقي واعي جداً لهذه التحركات المشبوهة وهي موجة (لإطلاق تصريحات واجراءات تمويهية خالية من النوايا الوطنية الحسنة والحقائق الدامغة وإعلانها جهاراً للرأي العام )!!!
هذه صفقات الكواليس لن تمر علينا نحن نخب المثقفين دون حسابات رصينة ،الدولة القادرة علي مواجهة الفساد يجب ان لا تكون فاسدة اولاً.
استاذ دكتور طارق السامرائي/بريطانيا

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93611