في زيارة رئيس وزراء العراق الجديد علي فالح الزيدي لواشنطن حاملاً ملفات قد تصنع تحولاً نوعياً في سياق الواقع العراقي والإقليمي ،بعد ان تجرأ وخطى لبناء مشروع لدولة عانت من صنوف الاذي الايراني وتسويقه الطائفية والذيلية والتبعية المذهبية وتمزيق المجتمع العراقي ،فهو لم يذهب إلي واشنطون وفي حقيبته ما يتقاطع مع استراتيجية الولايات المتحدة في العراق والمنطقة مع تزامن اصعب عقدة سياسية عسكرية في معركة المصير مع ايران وقطع دابر سيناريوهاتها المعارضة لمستقبل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وعبر عن هذه الزيارة في تصريح لصحيفة الواشنطن بوست عنونه هو (لماذا أنا ذاهب إلي واشنطون ؟)
حوي هذا اللقاء علي علي اهداف موجهة ودقيقة تتلخص في :-
١- تحويل العراق من دولة مسيرة إلي دولة مستقرة بارادة وطنية لاكمال مشروعها البنيوي والذي ترتاح له الادارة الأمريكية وصناع القرار الأمريكي وتقود أموالها واقتصادها بارادة وطنية وتوازن إقليمي ودولي باطار التعامل للعراق كدولة وليس كذيل .
٢- احتكار القوة بنزع سلاح كل الجماعات والتجمعات المسلحة والتي ولدت بدون شرعية ثم تحولت إلي ادوات ايرانية مؤثرة في كل مفاصل دولة العراق !
ومن هذا المنطلق فأن دولة العراق ستكون قادرة علي مغادرة مرحلة (التبعية وخلق الأزمات الداخلية والعبور الي مرحلة صناعة القرار العراقي الوطني الخاص )
نجح الزيدي في رسالته الي البيت الابيض قبل ان يضع قدميه في مطاراتها ،وهو لغة ذكية ترضي الادارة الامريكية في زمن الحرب العسكرية تضع أوزارها في الإقليم مع عدو كلاسيكي يدعي (ايران نظام الملالي ).
وحسب التقديرات انه اجتاز الامتيحان شفهيا وبروتوكوليا ،ولكن تبقي الادارة الأمريكية علي ألمحك في كيفية دعم هذا المشروع الزيدي طالما ان العراق ومنذ عام الاحتلال كان مسرحا للارهاب ومرتعا خصبا للتدخلات الإيرانية ونشر ثقافات متدنية في الفساد والقتل والمذهبية المتطرفة .
رئيس الوزراء الزيدي وهو الرجل الطموح مع ملفاته الساخنة يضع نفسه امام ألتزامات صعبة وثقيلة يخضع لها واقع العراق والمكبل بسلاسل القيود الإيرانية وميليشياتها المسلحة ،خاصة وان مسألة احتكار الدولة للسلاح ومحاولة نزعه من بيادق الشطرنج الايراني بطيقة (الدمج)لا يعني ان المسلح تنصل عن انتماءاته ومرجعيته الخارجية ،فالدمج لا يذيب هذه الولاءات العقائدية وهو الأمر الأكثر تعقيداً وخطورة ،ولا يكفي ان يحمل عقل المشروع الزيدي طبيعة (الاكتفاء بحصر السلاح بيد الدولة )بل ان يمتد الي ما خلف هذه القرارات ،فايران لن تقف كي تؤدي التحية لوطنية الزيدي وهو الذي ولد رئيسا للوزارء نتيجة توافق إيراني أمريكي ومباركة من قادة الميليشيات ؟
الزيدي ربما يبحث عن مدخل له مخرج ،فحجم الاستشراء الإيراني داخل مؤسسات الدلة يمثل نفوذًا هائلا مما يعرقل مفهوم (دولة متوازنة مستقلة بالقرار )وهي مواجهة مباشرة ،حيث ما زالت قوي موالية لايران ولاية الفقيه والمرشد الاعلي ترتبط بمساراتها السياسية والمذهبية والعسكرية والاقتصادية وما زالت أنماط (المحاصصة)تنفذ سمومها في مقاسمة الدولة .
أمريكا تري المشهد بصورة أكثر عمقاً فهي لا ترغب في زج الزيدي بمشاريع (الفارس المنقذ)بل بما يستطيع فعله في ملفي السلاح واستقلالية الاقتصاد.
ان الوقت لدي الزيدي ليس بالثمين فقط وانما هو فرصة تاريخية لكي يؤسس استقلالية السياسة العراقية الجديدة بذهنية يمتلك فيها (لغة قوة المبدأ في النهج الجديد دون الرضوخ للإرادات الأمريكية وحدها )لانه يمثل دولة ومشروع صاحبه شعب عظيم يستحق ان يمتلك ارادته الوطنية ،وان يكون مفهوم التبعية لا للولايات المتحدة ولا لايران ،بل ان لا يكون ساحة تصفية حسابات بين الطرفين خاسرها الاول العراق وشعبه ورابحها ايران وامريكا !
الزيدي في زيارته لواشنطن واجب عليه ان يحقق ولا يفاوض ان يشرح بالواقع وضع العراق وان لا يداهن وان (يكسب الجولة قبل تمييعها )
الدعم الأمريكي ليس مجرد تعويذة أوقية لها اول ولها آخر انما هو مطلب كونها دولة احتلال وعليها تقديم كل انواع الاستثمار للإنسان العراقي وإصلاح بيئته الداخلية وترسيخ اصول القانون والعدالة ،انها التزامات مفروضة وليست مطاليب .
الشعب العراقي يحتاج الي رجل قضية ومشروع وطني يحمل في وجدانه الالام والأوجاع لشعبه وهي لغة تفوق الغزل وتبادل الرسائل الدبلوماسية ،وان سيادة التطبيق لأعراف القانون وسيادة البلد العراقي تشمل الجميع .
العراق يحتاج الي بناء دولة ومجتمع ولا يحتاج الي انخراطات في اتفاقيات ومعاهدات ومحاور سياسية وعسكرية .
العراق يحتاج الي كيان مؤسسي يمثل صلب الدولة الحديثة فقبل عام الاحتلال كان العراق نموذجا ومنارة لكل خصائص الدولة المدنية الحديثة يمتلك قراره وتشريعاته المختلفة وجيشه وماله ومشاريعه الوطنية والقومية وسياسته الخارجية المعتدلة
ان العراق لا يحتاج وصيا عليه ولا ايرانيا يسوق ماله ويدير سياسته ويمزق طبيعة مجتمعه ،بل يحتاج العراق وشعبه الكبير اصدقاء وداعمين دائمين لا موسميين .
ان قيمة زيارة الزيدي لا تتوقف عند حدود طرح المعاناة وانما تاكيد تطبيقها الي واقع ملموس ،حيت يتم تحويلها الي قرار وقانون وتثبيت منهج !
من داخل الحدث.. حين يصبح السؤال اكبر من القضية ؟ هل نحن أمام أزمة وطن أم أزمة مسؤول؟
استاذ دكتور طارق السامرائي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=93889
