مقدمة السلسلة
من مضافة الثوار إلى أبواب السلطة
كلمة إلى القارئ
هذه الدراسة ليست بحثاً في العشيرة العراقية بقصد تمجيد الماضي، وليست محاولة لإدانة الحاضر. وليست مرافعة ضد شيوخ العشائر، كما أنها ليست دفاعاً عنهم. إنها، قبل كل شيء، محاولة لفهم سؤال ظل يرافق تاريخ العراق الحديث:
كيف تغيّر مفهوم الزعامة العشائرية في العراق؟
وكيف انتقل الشيخ، عبر قرن كامل، من موقع اجتماعي كان يستمد فيه قوته من جماعته، إلى أدوار مختلفة أصبح فيها بعض الشيوخ جزءاً من النظام السياسي والإداري والاقتصادي للدولة؟
هل تغير الشيخ؟ أم تغيرت الدولة؟ أم تغير المجتمع؟ أم تغيرت مصادر القوة؟ أم أن كل ذلك حدث في الوقت نفسه؟
هذه الأسئلة هي التي دفعتني إلى إعداد هذه السلسلة.
وأنا أكتبها وأنا مدرك تماماً أنني أكتب أمام جمهور واسع من أبناء العراق، ومن بينهم شيوخ ورؤساء عشائر من مختلف المحافظات والمناطق، وقضاة، وسياسيون، ومثقفون، وأكاديميون، وباحثون. ولذلك فإنني أتعامل مع هذا الموضوع بحساسية الباحث، لا بمنطق الخصومة.
فالعشيرة العراقية ليست هامشاً في تاريخ العراق. لقد كانت، ولا تزال، جزءاً أساسياً من نسيجه الاجتماعي والسياسي. وفي مراحل كثيرة من تاريخ البلاد، كان لشيوخها دور في حماية المجتمع، وحفظ الأمن، وحل النزاعات، ومواجهة الاحتلال، والدفاع عن البلاد، والمشاركة في بناء الدولة.
لكن التاريخ، في الوقت نفسه، لا يكتب بالمديح وحده. فكما يسجل المواقف المشرفة، فإنه يسجل أيضاً الأخطاء. وكما يحفظ أسماء من وقفوا في لحظات الخطر، فإنه يحفظ أسماء من اختاروا الصمت أو المصلحة أو التحالف مع الأقوى. ولذلك، فإن هذه الدراسة ستطرح السؤال الصعب دون خوف:
متى كانت الزعامة العشائرية قوة للعراق؟ ومتى تحولت إلى قوة على حساب العراق؟
لماذا الآن؟
ربما يكون هذا السؤال أكثر إلحاحاً اليوم من أي وقت مضى. فالعراق الذي دخل القرن الحادي والعشرين بعد عام 2003 وجد نفسه أمام دولة تعاني من أزمات متراكمة: ضعف المؤسسات، والفساد، والبطالة، والمليشيات والاعتماد الكبير على النفط، وتراجع الخدمات، وتضارب الولاءات السياسية، وانتشار شبكات المحاصصة والمصالح، إلى جانب استمرار تأثير القوى الإقليمية والدولية في القرار العراقي. وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى استمرار تحديات الفساد وضعف الحوكمة والاعتماد المفرط على النفط وضخامة القطاع العام، بينما يحذر صندوق النقد الدولي من أن الإصلاحات الهيكلية والحكم الرشيد ومكافحة الفساد أصبحت شروطاً أساسية لإطلاق إمكانات الاقتصاد العراقي. كما تشير تحليلات حديثة إلى أن العراق ما زال يواجه مشكلة تعدد مراكز القوة، ووجود جماعات مسلحة ذات نفوذ سياسي وأمني، بما يحد من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة تماماً.
وفي الوقت نفسه، فإن العراق يعيش في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، جعلت البلاد في أكثر من مرحلة ساحة لتنافس القوى الخارجية، وهو ما يضعف قدرة الدولة على رسم سياسة مستقلة ومتوازنة. وتظهر التحليلات الراهنة أن الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران ما زال يؤثر في السياسة العراقية، وأن بعض القوى المسلحة المرتبطة بإيران تمتلك نفوذاً سياسياً ومؤسساتياً، بينما تعاني الدولة من صعوبة فرض احتكار كامل للقرار الأمني والسياسي.
ولذلك، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الدراسة ليس تاريخياً فقط. إنه سؤال حاضر أيضاً:
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الزعامة العشائرية العراقية في حماية الدولة والمجتمع في زمن تتعدد فيه مراكز القوة والولاءات؟
لكنني لا أريد أن أجيب عن هذا السؤال مباشرة.
سأترك للتاريخ أن يجيب.
التاريخ ليس مرآة للماضي فقط
عندما نقرأ تاريخ شيوخ العشائر في ثورة العشرين، سنسأل: (ماذا كان المطلوب من الشيخ في تلك اللحظة؟)
وعندما نصل إلى العهد الملكي، سنسأل: (متى كان التعاون مع الدولة بناءً للدولة، ومتى أصبح وسيلة للحصول على النفوذ؟)
وعندما نصل إلى ثورة 14 تموز، سنسأل: (كيف تعاملت الزعامات العشائرية مع التحول السياسي الكبير؟)
وعندما نصل إلى مرحلة البعث، سنبحث: (كيف تعامل النظام مع العشيرة؟ وكيف تعامل بعض الشيوخ مع النظام؟)
وعندما نصل إلى عام 1991، سنسأل: (ماذا حدث عندما ضعفت الدولة وعادت العشيرة لتملأ الفراغ؟)
ثم نصل إلى عام 2003. وهنا تبدأ مرحلة مختلفة تماماً.
الدولة تسقط. النظام يتغير. الحدود السياسية والاجتماعية تهتز. القوى السياسية تتشكل على أسس جديدة. وتعود العشيرة بقوة إلى المشهد. ثم تأتي الصحوات. ثم داعش. ثم الحشد. ثم تتداخل السياسة بالمال والسلاح والنفوذ.
وهنا سنسأل السؤال الأصعب: (هل أصبحت الزعامة العشائرية اليوم أقرب إلى الدولة… أم إلى السلطة؟)
والفرق بين الاثنين كبير. فالدولة باقية. أما السلطة فتتغير. الدولة ملك للجميع. أما السلطة فقد تكون ملكاً لحزب أو ائتلاف أو جماعة.
والشيخ الذي يقف مع الدولة قد يختلف موقفه عن الشيخ الذي يقف مع السلطة.
ومن هنا نثبت القاعدة التي سترافقنا طوال الدراسة:
الوطنية ليست مرادفاً دائماً لمعارضة السلطة، كما أن التعاون مع السلطة ليس مرادفاً للخيانة.
لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو:
متى يكون التعاون مع السلطة خدمة للدولة؟ ومتى يتحول إلى خدمة للسلطة على حساب الدولة؟
هذه ليست دراسة عن الشيوخ فقط، إنها دراسة عن العراق من خلال الشيوخ.
فكل تحول في مفهوم الزعامة كان يعكس تحولاً في الدولة والمجتمع. عندما كان الشيخ قوياً ومستقلاً، كان ذلك يعكس ضعف الدولة المركزية. وعندما أصبح الشيخ مرتبطاً بالأرض والملكية، تغيرت طبيعة نفوذه. وعندما أصبح نائباً أو وزيراً أو عضواً في حزب، تغيرت أدوات قوته. وعندما أصبح بعد 2003 مرتبطاً بالانتخابات، أو الأحزاب، أو المال أو السلاح، تغيرت الزعامة مرة أخرى. وهكذا فإن تاريخ الشيخ هو، في جانب منه، تاريخ العلاقة بين المجتمع والدولة في العراق.
لماذا هذه السلسلة؟
لأنني أؤمن بأن التاريخ لا ينبغي أن يبقى في الكتب. التاريخ يجب أن يتحول إلى سؤال. والسؤال يجب أن يتحول إلى وعي. والوعي يجب أن يساعدنا على تجنب تكرار الأخطاء.
ولهذا فإنني لا أريد أن تكون هذه السلسلة حديثاً من طرف واحد. أريد أن تكون مساحة بحث وحوار. وقد تظهر خلال الحلقات أسئلة من شيوخ عشائر، أو قضاة، أو مؤرخين، أو أكاديميين، أو سياسيين، أو أبناء عشائر من مختلف مناطق العراق. وقد يقدم أحدهم وثيقة. وقد يصحح آخر رواية. وقد يعترض ثالث على تحليل. وقد يضيف رابع تجربة عائلته أو عشيرته. وهذا كله مرحب به. فالهدف ليس الانتصار لرأي الباحث. بل الوصول إلى صورة أقرب إلى الحقيقة. ولهذا، يمكن أن تكون المداخلات والتعليقات الجادة جزءاً من تطور الدراسة نفسها. فالسؤال الذي يثيره قارئ اليوم قد يصبح مدخلاً إلى الحلقة القادمة. والاعتراض القوي قد يدفعنا إلى إعادة فحص واقعة تاريخية. والوثيقة الجديدة قد تفتح باباً لم نكن قد طرقناه.
وبذلك لا تكون الحلقات مغلقة تماماً؛ بل تتفاعل مع القارئ، وتكبر معه.
لكن هناك هدفاً آخر… لن أقوله مباشرة
هناك هدف آخر لهذه الدراسة.
كما قلنا أعلاه
هناك هدف آخر لهذه الدراسة.
وهو هدف سأترك للقارئ أن يكتشفه بنفسه. فحين نقرأ عن شيخ ثورة العشرين، سنسأل: ماذا كان يمكن أن يفعل أكثر؟
وعندما نقرأ عن شيخ العهد الملكي: هل كان يمكن أن يكون صمام أمان للدولة أم جزءاً من أزمتها؟
وعندما نصل إلى البعث: ماذا يفعل الشيخ عندما يصبح النظام أقوى منه؟
وعندما نصل إلى 1991: ماذا يفعل عندما تضعف الدولة؟
وعندما نصل إلى 2003: ماذا يفعل عندما تنهار الدولة وتفتح أبواب السلطة؟
وعندما نصل إلى اليوم: ماذا يفعل عندما يصبح العراق نفسه في حاجة إلى صوت وطني جامع؟
لن نقول للشيخ: افعل كذا.
بل سنعرض له التاريخ ونقول: انظر… هذا ما حدث عندما اختار أسلافك الطريق الأول. وهذا ما حدث عندما اختاروا الطريق الثاني. وأنت… أي طريق تختار؟
وهكذا يصبح التاريخ، من دون خطاب مباشر، مرآة للزعامة المعاصرة.
وأريد أن أضع سؤالاً أمام شيوخ العراق اليوم
ليس سؤالاً سياسياً. ولا سؤالاً حزبياً. بل سؤالاً وطنياً:
إذا كانت العشيرة قد لعبت دوراً في مقاومة الاحتلال، وفي حماية المجتمع، وفي الدفاع عن البلاد، وفي حفظ السلم الأهلي… فما هو دورها اليوم في حماية الدولة من الفساد، وحماية المجتمع من الانقسام، وحماية القرار العراقي من الارتهان؟
هذا السؤال لن أجيب عنه الآن. وسأتركه مفتوحاً.
لأن الإجابة عنه ستتضح تدريجياً ونحن نمر عبر قرن كامل من التاريخ.
ومن هنا تبدأ الرحلة…
سنبدأ من ثورة العشرين. لكننا لن نبدأ منها مباشرة. سنعود خطوة إلى الوراء. سنذهب إلى المضافة. إلى الشيخ قبل أن يصبح جزءاً من الدولة.
سنحاول أن نفهم: كيف كان الشيخ يكتسب مكانته؟ من أين جاءت شرعيته؟ كيف كان يحكم؟ كيف كان يتعامل مع الدولة العثمانية؟ ومتى كان يتمرد؟ ولماذا؟
ثم سنصل إلى البريطانيين.
وهنا ستبدأ القصة الحقيقية. لأن البريطانيين اكتشفوا أن العراق لا يمكن أن يُحكم بالجيش وحده. فكان عليهم أن يتعاملوا مع الشيخ. لكن السؤال الذي سيظل يطاردنا:
هل غيّر البريطانيون الشيوخ… أم غيّروا الطريقة التي أصبح بها الشيخ قوياً؟
ومن هنا تبدأ الحكاية.
ملاحظة منهجية للقارئ
سأحاول في هذه السلسلة أن أميز دائماً بين: الواقعة التاريخية الموثقة. الرواية التي تختلف حولها المصادر. والتحليل الذي يقدمه البحث. لأننا لا نريد صناعة تاريخ جديد وفق أهوائنا السياسية الحالية. نريد أن نفهم التاريخ كما كان.
ثم نسأل:
ماذا نستطيع أن نتعلم منه اليوم؟
وهذا الفرق مهم جداً.
فإذا وجدنا شيخاً تعاون مع الدولة، فلن نحكم عليه بالخيانة فوراً. وإذا وجدنا شيخاً عارض الدولة، فلن نصفه بالوطنية فوراً. سنبحث عن الدافع. ثم عن النتيجة، ثم عن أثر الموقف على العراق. لأن المعيار الذي سيحكم هذه الدراسة هو:
ليس مع من وقف الشيخ فقط… بل لماذا وقف؟ وماذا ترتب على موقفه؟
والآن… نبدأ
الحلقة الأولى
قبل أن يصبح الشيخ “شيخاً للسلطة”
كيف كانت العشيرة تحكم نفسها؟
يتبع في العدد القادم… مع التحية
د.رياض الدليمي
