4 أغسطس، 2026 - 3:47 مساءً
سليدرمقالات وآراء

هل سيصطدم الزيدي مع المليشيات المسلحة بعد تفاقم الأزمات ؟

أ.د. طارق السامرائي

في سياق العودة التي اكملها علي الزيدي لزيارة طهران قبل اسابيع كاول زيارة له لها منذ توليه المنصب المتفق عليه امريكياً ايرانيا ،حصلت مداهمات مقرًا لاحدي الميليشيات المسلحة للتفتيش ولم تتمكن من إتمام مهمتها بعد موقف ميلشاوي حاد انسحبت القوة تجر أذيال الخيبة !

وتكشف هذه الواقعة طبيعة المرحلة الانتقالية للعراق وهي مرحلة (تتقاطع فيها الضغوط الأمريكية والتي تهدف الي تفكيك الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة مع اصرار هذه المجموعات بالاحتفاظ بترسانتها جزءا من ارتباطها العضوي بايران التي تخوض فيها أخطر مواجهة في تاريخها الحديث مع أمريكا وإسرائيل)الأمر الذي دفعها الي استنفار واستخدام كل نفوذها في ذيولها في منطقة الشرق الأوسط ،وخاصة في العراق بسبب خصوصيات هذا التلاصق ،فهو ليس نفوذاً ايرانيا فيه بمجرد توافر ميلشيات وشبكات مالية وعلاقات سياسية وهيمنة سلطوية (بل هو منظومة نفوذ كاملة ).

وبدت علي سطح الاعلام العراقي مؤشرات ان هذه الفصائل الموالية لايران ستلجأ الي اغتيال علي الزيدي إذا أصر علي المضي في مشروعه الأمريكي الاسرائيلي ونزع السلاح من الميليشيات وتفكيك تجانسها الاستراتيجي .

ان الصورة والانطباع العام ان هذا المشهد يختصر طبيعة المرحلة القادمة في العراق والتي يقف علي أعتابها نجاح او فشل مشروع أمريكا في الزيدي ومناوراته التي تعهد بها بها وهو في (بيت الطاعة واشنطن).

حين أوعد ترامب أن العراق دخل مرحلة جديدة لا مكان لسلاح خارج الدولة (والمؤكد أن هذه الوعود كانت تجارية واجترارية وغير واقعية بما تنضح فيه البيئة العراقية !

المشكلة لا تنحصر في وجود جماعات مسلحة بل تتمثل في تغلغل هذه الجماعات داخل اجهزة وهياكل العمل التنظيمي للدولة للدرجة التي تجعل أية محاولة جريئة وجدية لمواجهتها محفوفة بأخطار سياسية وأمنية كبيرة ،في وقت تشهد فيه ايران ومرجعيتها الدينية والعسكرية حربا أمريكية اسرائيلية مؤذية ومتواصلة يضاف لها تجنيد الإعلام المباشر الذي تؤطره الحرب النفسية عبر تصريحات الادارة الامريكية او المسؤولين العسكريين الأمريكان بحرب شاملة تدميرية تختلف عن سابقاتها في الحجم والتاثير.

ولا يخفي ان الميليشيات في العراق هي بالاساس ولائية لايران ولا يستبعد انخراطها في مواجهة عسكرية عندما تتعرض ايران للحرب وقد بادرت هذه الميليشيات للتعبير صراحة عن هذا المنهج وأقدمت علي إطلاق صواريخ ومسيرات بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني استهدفت دول الخليج العربي والأكراد والقنصلية الأمريكية في أربيل وقواعد عسكرية اخري .

دور علي الزيدي وما يتوقع منه ازاء الموقف والتعهدات

يحاول رئيس الوزراء علي الزيدي ان ينتهج اسلوباً (سياسة الاحتواء والإغراءات )بدلا من أسلوب (المواجهة المباشرة )يساعده في ذلك كونه يحمل نوعا من المعرفة الاقتصادية والتجارية وله ربما ثقة شخصية بهذا النمط المرن واقناع قادة الفصائل (تسليم السلاح مقابل ضمانات عدم ملاحقتهم قانونياً خاصة في ملفات الفساد والتهريب وغسل الاموال)والذين هم جميعاً مشمولين بهذه الصفات .

غير أن المقاربة تبدو اقرب الي (رهان صعب منه الي خطة سهلة التنفيذ )!
والسؤال لماذا ؟والجواب ان معظم قادة وقواعد هذه الفصائل لا تخضع لقرارات قادة عراقين بل ترتبط بقيادات (فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني )وهي ليست تشكيلات عسكرية فقط كما يعتقد البعض بل انها (تنظيمات عقائدية مؤدلجة)تمتلك من الدوافع الايديولوجية الدينية الايرانية ما يدفعها لتنفيذ ما تؤمر به من داخل ايران والتي تعتمد عليها ايران كأدوات لفرض النفوذ بالقوة في المنطقة ،كما أن كلفة أقل كلفة من الانخراط في حرب مباشرة وأكثر قدرة علي (استنزاف الخصوم عسكرياً وسياسيا واقتصاديا)وهو الأمر الذي يجعل فصائل العراق جزءااساسيا وجوهريامن هذه الاستراتيجية .
زار علي الزيدي طهران مباشرة بعد زيارته واشنطون وهذه لها معاني وتحاليل كثيرة (من واشنطون وترامب الي طهران وقادتها ؟)
الزيارة شبه المكوكية الزيدي أنتجت (مذكرات تفاهم تصل الي 60 مليار دولار مقابل سياسة جديدة مع ايران ،فلا استثمارات كبري ولا شراكات استراتيجية ولا سلاح منفلت إذا لم تنجح ادارة العراق السياسية في تحديد وطرد التسلط الإيراني علي العراق واعادة قرار الدولة للدولة .
يدرك علي الزيدي ومن حوله ما يوسعون مداركه وتنويره بما سيحصل ومنهم الرجل المخضرم (توم باراك )وهو خبير ومهندس للسياسة الأمريكية الترامبية في منطقة الشرق الأوسط الذي يوجه الدفة الزيدية بهدوء (ان معالجة الملف العراقي بوجود الزيدي لا يتم عبر شعارات او قرارات جزئية مرنة بل موقف جرئ ومدروس امام نفوذ ايراني لا يقف عند حدود ميليشيات وشبكات مالية او سلب القرار السياسي العراقي بل هو منظومة نفوذ كاملة أسستها ايران والحرس الثوري علي مدي عقدين ،استفادت منه بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011 مع تصدع عربي ملحوظ اتجاه العراق .

ونحن نلاحق الاجراءات لحملة الفساد والمفسدين نري انها جاءت كعاصفة لكنها محدودة ومدروسة فيهي لمن لا يمثل القوة الإيرانية في شخوص عراقية وانما لجماعات الدرجة الثالثة لكي يكون عامل تنبيه ومرضي نوعاما لترامب ،لكن التراجع الذي اصاب (حملة مكافحة الفساد الزيدية )مثلت صورة جلية علي حجم التعقيدات ومنها ان بعض قادة التنفيذ داخل الاطار التنسيقي شعرت بالخطورة في تمادي الزيدي ،بدأت في التصدي واستخدام الضغوط المتصاعدة )الامر الذي ادي الزيدي ان يعيد الكرة ويراجع إجراءاته فهو لن يستحصل علي (العافرم الأمريكي )بما يسد حاجاته وطموحاته بقدر نمط المرونة مع التخفيف وابقاء ايران قريبة تحترم في توجيهاتها !!!

والسؤال الملح والجدي لمقام الزيدي وهو وسط عاصفة المهمة الثقيلة

فاذا واجهت حملة ملفات الفساد زخماً من الجهودالمضادة من الإطار التنسيقي وايران ؟فما مدي المقاومة والحال في ملف السلاح وحصره بيد الدولة والذي يمثل (الضمانة المركزية لوجودها ونفوذها ومدي انبطاحها لايران مرجعيتها العقائدية؟ .

استمرار وجود ونفوذ وتمدد الميليشيات العراقية الإيرانية سيجهض اي مشروع لبناء دولة وقانون وعدالة

لم يبقي امام رئيس وزراء العراق علي الزيدي إلا أن يتخطي الصعوبات بتأني وطني وحذر أمريكي كما تبنته واشنطون وهو ما قد بقي امام الزيدي في نهاية المطاف سوي اتخاذ قرارات تضعف هذه الميليشيات وتميع ارتباطاتها بايران ضمن مشروع وطني يعتمد القوي الوطنية ومهما بلغ الثمن ،فالمعركة وطنية بحتة رغم كلفتها الباهضة ،لكن الوطن يستحق هذا الثمن لانه (وطن )
فالمقابل سوف تتسلح هذه المليشيات وقادة الاطار لكي يواجهوا الأزمة الحادة لانهم هم قادة الفساد واصحاب دكاكينه وأسواقه !
العراق في عهدة الزيدي امر جديد يتطلب قوة وطنية مؤمنة وشخصية فهو امام خيارين لا ثالث لهما :-
١- العمل الوطني وعبر خطة الانخراط مع واشنطن والحلفاء العرب في المنطقة لاعادة ترتيب الداخل العراقي والاستعانة بقوي وطنية مجاهدة للتغيير .
٢- الاستمرار في الارتهان للمحور الايراني مع استمرار التداعيات الاقتصادية والسياسية والامنية وفقدان لذة وطعم الدولة وقرارها الوطني .
فوفق ما يحمله توم باراك من رؤية أمريكية يدعو الي ترجمة التصور الأمريكي الجديد (الذي يقوم علي دمج العراق ضمن فضاء إقليمي يضم تركيا وسوريا ودول الخليج )ويتسيد مشاريع الطاقة والنقل والتجارة ورسم التوازنات الاقتصادية والجيو سياسية في المنطقة .
المواجهة بين دولة الزيدي والميليشيات تبدو معقدة ومن جانب ثاني يصعب تجنبها وهي مرهونة بطبيعة المفاوضات الامريكية الإيرانية.
ان بغداد لكي تلتقط الأنفاس والشروع في تاسيس دولة وقرار وطني يتطلب شخص مؤمن وراؤه مشروع قوي ومتين والا سيبقي العراق

(معلقاً بين دولتين وسلطتين ومشروعين متناقضين )

استاذ. دكتور . طارق السامرائي/بريطانيا

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94224