8 يوليو، 2026 - 12:56 صباحًا
أهم الأخبارمقالات وآراء

الدولة خارج الدستور..ماذا تبقى مما بدأ؟/ بقلم الصحافي ماهر الصفار

سؤال يفرض نفسه بإلحاح مع كل تجاوز جديد للمدد والتوقيتات الدستورية وكأن الدستور بات نصاً مؤجلاً لا مرجعاً ملزماً..

فالأحزاب المنخرطة في العملية السياسية لم تكتف بتعطيل الاستحقاقات بل تجاوزتها دون اكتراث يذكر بالمصلحة الوطنية أو احترام إرادة الناخب الذي منحها ثقته على أمل بناء دولة أكثر استقراراً وعدلاً.

المشكلة لم تعد في الخلاف السياسي بحد ذاته فهذا أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي بل في طبيعة هذا الخلاف وأولوياته..

إذ يبدو أن تغليب التبعية لرسائل الخارج والانتماءات العقائدية سواء كانت دينية أو مذهبية أو مناطقية ما زال يتقدم على مفهوم الوطن الجامع..وهذا النهج لا يعكس فقط قصوراً في فهم معنى الدولة بل يكشف أيضاً عن أزمة عميقة في وعي النخبة السياسية وبدورها بعد عام 2003.

فبدلاً من ترسيخ أسس دولة المواطنة ما زالت هذه القوى تمارس أدواراً تبعية تتأثر بإشارات ورسائل خارجية فتضعف بذلك الهوية الوطنية وتؤخر الانتقال نحو الدولة المدنية ذات سيادة التي تقوم على المساواة وسيادة القانون..وفي ظل هذا الواقع يصبح الدستور الذي يفترض أن يكون المظلة الجامعة مجرد أداة انتقائية يستحضر حين يخدم المصالح ويتجاهل حين يتعارض معها.

إن تقديم العقيدة والمذهب والمناطقية إضافة إلى التبعية لنفوذ الخارج على حساب الوطن لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: إعادة إنتاج نظام المحاصصة بصيغ مختلفة وإدارة الدولة بمنطق تقاسم النفوذ والمصالح لا بمنطق الكفاءة والمسؤولية..ويعاد تدوير الفساد وتتجذر الفوضى وتتآكل ثقة المواطن بمؤسسات الدولة مع كل دورة انتخابية.

ولا تقف تداعيات ذلك عند حدود السياسة بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية من تردي الخدمات الأساسية إلى تعثر التنمية الاقتصادية وصولاً إلى ضعف الحضور الدولي..فالدولة التي تنشغل برسائل الخارج وبصراعاتها الداخلية وتغفل عن أولويات شعبها تفقد تدريجياً قدرتها على التأثير في محيطها وحماية مصالح مواطنيه..

إن الخروج من هذا المأزق لا يتطلب حلولاً معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة..دولة يكون فيها الدستور فوق الجميع والمواطنة هي المعيار والكفاءة هي الأساس في إدارة المؤسسات..كما يتطلب وعياً مجتمعياً ضاغطاً يرفض إعادة إنتاج الأزمات نفسها ويطالب بنخب سياسية تعبر عن طموحاته لا عن انقساماته.

إن الاستمرار في نهج “انتقائية الدستور” وتغليب الهويات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة هو انحدار نحو الدولة الفاشلة الهشةالتي تقتات على أزماتها..لقد آن الأوان لتدرك النخبة السياسية أن مكمن الحل لا يبدأ من تعديل النصوص بل من استعادة هيبة “المواطنة” كعقد اجتماعي غير قابل للتجزئة ونبذ التوافقات الضيقة أو الولاءات العابرة للحدود والالتزام بالاستحقاقات التي صانها القانون.

إن الانتقال من “عقلية الغنيمة” إلى “منطق الدولة” هو السبيل الوحيد فبدون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة نغير فيها الوجوه ونعيد إنتاج الفشل ذاته ليبقى الوطن هو الغائب الأكبر في مشهد يدعي الجميع تمثيله.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=90701