يعتبر كتابه الصادر عام 2007، “الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة: عصر الإمبراطوريات الجديدة، الخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين”، واحداً من أهم كتب الجغرافيا السياسية المعاصرة، وذلك بحكم المكانة التي يحظى بها المفكر الروسي ألكسندر دوغين لدى القيادة الروسية كمنظر للمشاريع الاستراتيجية، وبحكم تأثير فكره في مسار السياسة الخارجية والأمن القومي الروسي أيضا.
يحمل دوغين في هذا الكتاب تساؤلات كثيرة وحلول مقترحة، كما يشكل تحليلاً نقدياً شاملاً لملامح الخريطة الجيوسياسية المعاصرة، وتبرز خطوطه العامة في نهاية الدولة القومية وبداية الإمبراطوريات، والتكامل القاري في مواجهة الأحادية القطبية، ثم الاقتصاد الجغرافي وحرب ما بعد الحداثة.
تناول دوغين مجموعة من القضايا النظرية التأسيسية، حيث طرح قضية الجغرافيا السياسية بوصفها تحليلاً للجزء الثابت من العملية التاريخية، باعتبارها أيضا منهجاً قائما على ثبات المكان غير المرتبط بالتقلبات التاريخية، ثم تناول بالنقد تصنيف النماذج الزمانية للعمليات التاريخية التي تم تطبيقها على النظم المجتمعية مثل النموذج التقليدي أو المجتمع ما قبل الحداثي، والنموذج المعاصر أو المجتمع الحداثي، والمجتمع ما بعد الحداثي. ويقابلها في المصطلحات الاقتصادية المجتمع ما قبل الصناعي أو الزراعي، والمجتمع الصناعي، والمجتمع ما بعد الصناعي أو مجتمع المعلومات.
من هنا تأتي أهمية الجغرافيا السياسية ومنهجها الجيوسياسي التي لا تفسر الأحداث والوقائع بطريقة حاسمة فحسب، بل تعمل على التنبؤ بمنطق التطور اللاحق للأحداث، مثل توقع حدوث حروب أو صراعات في منطقة ما. كما انتقد بشدة الخطأ المفاهيمي القاتل، والقائم على تحليل الوضع بصورة حصرية ضمن مفاهيم المجابهة الإيدیولوجیة والتحديث، الذي سقط فيه الاتحاد السوفياتي سابق، والتجاهل بشكل كامل للحتمية الجيوسياسية للمجتمعات.
لكن من الواضح، حسب المؤلف، أن تاريخ المجتمعات التقليدية، وهي الأغلبية الساحقة، يقع خارج هذا النموذج الغربي، ويتحرك في مسار مغاير تماماً، وهذا يعني أن الغرب يتجاهل تاريخ أغلب المجتمعات البشرية في بُعده الجوهري، ولا يتم التركيز سوى على أجزاء أو مقاطع منه، حيث تظهر علامات التأثير الغربي فيها، أي عناصر التحديث.
حاول دوغين مناقشة فكرة العولمة أحادية القطب في مواجهة التكامل بين الفضاءات الكبيرة، وتحليل مفهوم العولمة سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، مقترحاً مشروعاً بديلاً لتلك العولمة، هو العولمة المحتملَة أو الإنسانية، على حد تعبيره، وهو مشروع نظري صرف ينتشر في الدوائر الإنسانية في البلدان المتطورة، وهو مشروع يقوم على تطوير للحوار بين الثقافات والحضارات بعد انتهاء الصدام بين الأقطاب.
يطالب الكاتب من بلده، تحديد موقفها من تلك العولمة الموجودة بالفعل على أرض الواقع، لأن انخراط روسيا في هذه العملية سوف يؤدي على المدى الطويل إلى اندثار روسيا وغيابها كبلاد عظيمة. وهنا يمكن لروسيا إما أن تنضم إلى مشروع أممي أو عابر للقوميات قائم ونشط، أو أن تعزل نفسها ضمن حدود دولة-أمة، أو أن تقترح مشروعًا خاصاً بها قادراً على المنافسة على خلفية نماذج فوق وطنية أخرى.
ويعترف دوغين في هذا الكتاب، بأن روسيا لا مكان خاص بها في هذه المشاريع الكبرى، فروسيا محرومة من وجود صديق مطلق، أي من ذلك المشروع الذي يتفق بالكامل مع مصالحها الوطنية، وفي الوقت نفسه لديها على الأرجح عدو مطلق هو الغرب. وإذا ما اختارت روسيا اللعب لمصلحة عالم متعدد الأقطاب، فإنها تحصل على مكانتها المشروعة في الخرائط الجيوسياسية الجديدة، وتنشئ بطريقة تلقائية منظومة محاور صداقة.
الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية
