17 يونيو، 2026 - 10:56 مساءً
سليدرمقالات وآراء

“فاضل البدراني” الرجل الذي كتب العراق من بين الدخان

بقلم/ ياس خضير البياتي

بعض الرجال لا تلدهم المدن وحدها، بل تلدهم الأزمنة المضطربة. وحين تضيق الجغرافيا بالحروب، وتختلط الخرائط بالدم، وتصبح الحقيقة هدفاً للقناصين، يظهر أولئك الذين يقررون أن يحملوا الكلمة في مواجهة الرصاصة.

هكذا يبدو الدكتور فاضل البدراني في المشهد العراقي؛ ليس مجرد صحفي، أو أكاديمي، أو عميد كلية إعلام سابق، ولا حتى وكيل وزارة يشغل موقعًا إداريًا في الدولة، بل سيرة عراقية كاملة تمشي على قدمين.

رجلٌ خرج من الفلوجة، المدينة التي تعلّمت كيف تُحاور النار ولا تحترق بها، حاملاً معه عناد المكان وصلابة الصحراء وذاكرة الفرات، ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات الإعلامية والأكاديمية في العراق المعاصر.

ولد عام 1966 في الأنبار، يوم كانت الصحراء العراقية ما تزال تحفظ أسرار القبائل، وكانت الفراتيات تروي حكاياتها القديمة للنخيل.

هناك، في الفلوجة التي كانت تبدو هادئة على ضفاف الفرات، تشكّل وعيه الأول. لكنه لم يكن يعلم أن القدر سيضعه لاحقاً في قلب أكبر مختبر للعنف السياسي والإعلامي عرفه العراق الحديث.

كان العراق بالنسبة له نصاً مفتوحاً، لا بلداً فقط. وكلما قرأ صفحة منه اكتشف أن الصفحات التالية أكثر تعقيداً وأشد غموضاً.

ولذلك اختار الإعلام طريقاً، لا لأنه مهنة، بل لأنه وسيلة لفهم هذا النص العراقي المتشظي.

درس الصحافة والإعلام حتى نال درجة الدكتوراه من جامعة بغداد عام 2001، لكن شهادته الحقيقية لم تكن معلقة على جدار الجامعة، بل كانت مكتوبة على الطرقات التي عبرها مراسلاً، وعلى الحروب التي شاهدها، وعلى المدن التي دخلها حين كان الآخرون يغادرونها.

لقد جاء إلى الإعلام من باب المعرفة، لكنه سرعان ما وجد نفسه داخل أسئلة الخطر. فالعراق بعد عام 2003 لم يكن مكاناً لصحافة هادئة. كان بلداً يكتب أخباره بالمتفجرات، وتُصاغ عناوينه اليومية على إيقاع الانفجارات.

في تلك السنوات، لم يكن يجلس خلف مكتب مكيف يقرأ التقارير، بل كان في قلب المشهد.

عمل مع وكالة رويترز العالمية، ومع شبكات عربية ودولية عديدة، من BBC إلى أبو ظبي والجزيرة والشارقة والشرقية وغيرها من المؤسسات التي كانت تبحث عن مراسل يعرف العراق من داخله لا من خلف الشاشات.

كان يكتب الخبر فيما كان الخبر يطارده. وكان يشرح العالم للعراق فيما كان العراق يحاول أن يشرح نفسه للعالم.

في سنوات الفوضى الكبرى، لم يكن المراسل مجرد ناقل للحدث، بل شاهداً على انهيار السرديات القديمة وصعود سرديات جديدة.

وهنا تتجلى فرادة تجربة البدراني؛ فهو لم يكن صحفياً يلتقط الوقائع فقط، بل باحثاً يقرأ ما وراء الوقائع.

ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول تجربته الميدانية لاحقاً إلى مشروع أكاديمي متكامل. فالرجل الذي عاين الحروب بعينيه، عاد إلى الجامعة ليحوّل التجربة إلى معرفة، والخطر إلى نظرية، والميدان إلى منهج. وحين نتأمل مؤلفاته الكثيرة ندرك أننا لا نقرأ كتباً متفرقة، بل نقرأ مشروعاً فكرياً واحداً يحاول فهم العلاقة المعقدة بين الإعلام والسلطة والمجتمع.
في كتابه “الإعلام صناعة العقول” لا يتعامل مع وسائل الإعلام بوصفها أدوات نقل، بل بوصفها مصانع رمزية لإنتاج الإدراك الجمعي.

أما في “ثورة الصورة” فإنه يتتبع كيف أصبحت الصورة سلطة تفوق أحياناً سلطة الكلمة نفسها.

وفي “التربية الإعلامية والرقمية” يحاول أن يجيب عن سؤال العصر: كيف نحمي الإنسان من الطوفان المعلوماتي الذي يهدد وعيه؟

إنه ينتمي إلى جيل أدرك مبكراً أن المعركة لم تعد على الأرض وحدها، بل داخل العقول أيضاً.

ولذلك ظل منشغلاً بما يمكن تسميته «أخلاقيات الاتصال». فالإعلام بالنسبة إليه ليس مجرد تقنية، بل مسؤولية إنسانية. ومن هنا جاءت عشرات أبحاثه التي تناولت الإرهاب والتطرف والعنف الرمزي والتضليل الإعلامي وصناعة الرأي العام.

كان يرى أن الكلمة قد تنقذ حياة إنسان، لكنها قد تقتله أيضاً. وأن الخبر ليس بريئاً دائماً. وأن اللغة يمكن أن تتحول إلى سلاح أكثر فتكاً من البنادق. لهذا كان مشروعه العلمي أقرب إلى تفكيك الخطابات السائدة وكشف آليات اشتغالها.

وهو ما يجعل تجربته تلتقي، بصورة أو بأخرى، مع الحفريات الفكرية التي اشتغل عليها ميشيل فوكو حين كان يبحث عن العلاقة الخفية بين المعرفة والسلطة.

لكن ما يمنح هذه السيرة بعدها الإنساني ليس الجانب الأكاديمي وحده، بل التجارب القاسية التي مر بها.

فحين توفي شقيقه الدكتور فائز البدراني في الولايات المتحدة، كان يفترض أن يكون بيت العزاء مكاناً للحزن فقط.
غير أن العراق كان يكتب مآسيه بطريقة أخرى. فقد اقتحمت قوات الاحتلال مجلس العزاء واعتقلته مع عشرات المواطنين الذين حضروا لتقديم المواساة.

كان ذلك مشهداً عراقياً بامتياز؛ حيث يمتزج الحزن الشخصي بالحزن الوطني، ويتحول مجلس العزاء إلى صورة مكثفة عن بلد يعيش على حافة الجرح.

غير أن تلك التجارب لم تدفعه إلى الانكفاء، بل جعلته أكثر إصراراً على الدفاع عن حرية الصحافة وحقوق الإعلاميين.
ولهذا ظل حاضراً في المنظمات المهنية والإنسانية، مدافعاً عن حرية التعبير، ومشاركاً في المؤتمرات والندوات والفعاليات الفكرية داخل العراق وخارجه.

أما في الجامعة، فقد كان مشروعاً آخر. لم يكن أستاذاً يكتفي بإلقاء المحاضرات، بل مربياً لأجيال كاملة من الصحفيين والباحثين.

أشرف على عشرات الرسائل والأطاريح، وشارك في تطوير المناهج الإعلامية العراقية والعربية، وأسهم في تأسيس رؤية جديدة للتعليم الإعلامي تقوم على الجمع بين النظرية والتطبيق.

وحين تولى عمادة كلية الإعلام، لم يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازاً إدارياً، بل مسؤولية معرفية.

كان يؤمن أن الجامعة ليست بناية من الإسمنت، بل فضاء لإنتاج الأسئلة. وأن الأستاذ الحقيقي لا يملأ أذهان طلابه بالأجوبة، بل يعلّمهم كيف يشكّون وكيف يفكرون.

ولعل أكثر ما يميزه أنه ظل وفياً للإنسان داخل الإعلامي. فعلى الرغم من انشغالاته الأكاديمية والمهنية، احتفظ بعلاقات واسعة مع الصحفيين والكتّاب والأدباء.

كان قريباً من زملائه وطلابه، يتعامل معهم بروح الأب والأخ والصديق.
لقد عاش حياة كاملة بين الجامعة والشارع، بين الكتاب والخبر، بين النظرية والميدان. وإذا كان كثيرون قد اختاروا أحد الطريقين، فإنه اختار السير في الاثنين معاً.

ولهذا تبدو سيرته أشبه بجسر يمتد بين عالمين: عالم المعرفة وعالم الواقع.
ولعل ما يجعل الحديث عن البدراني مختلفًا عن الحديث عن كثير من الأكاديميين والإعلاميين، أن علاقتي به لم تبدأ من صفحات الكتب ولا من قاعات المؤتمرات، بل من قاعة الدرس نفسها.

فقد كان لي شرف تدريسه في قسم الإعلام أواخر ثمانينيات القرن الماضي، في مادة “الإعلام العربي والدولي”.
وما زلت أستعيد صورته طالبًا شابًا يجلس في المقاعد الأولى، كثير الأسئلة، شديد الفضول المعرفي، لا يكتفي بما يُقال في المحاضرة، بل يلاحق الفكرة بأسئلة أخرى، وكأنه كان يدرك مبكرًا أن المعرفة لا تُمنح جاهزة، بل تُنتزع بالحوار والبحث والاجتهاد.

والأجمل من كل المناصب التي تقلدها، ومن كل الألقاب التي حصل عليها، أنه ظل وفيًا لعلاقاته الإنسانية الأولى. فحين أصبح عميدًا لكلية الإعلام، ثم وكيلاً لوزارة الثقافة، لم تغيّره المناصب ولم تُثقل روحه أعباء السلطة الإدارية. بقي ذلك الطالب المهذب الذي يتذكر أساتذته بمحبة واحترام، ويسأل عنهم، ويتواصل معهم، ويستعيد معهم ذكريات الجامعة وأيام التكوين الأولى.

وكان كلما التقينا في مؤتمر علمي أو ندوة أكاديمية أو لجنة مناقشة لطلبة الدراسات العليا، أشعر أن الزمن لم يبدد تلك العلاقة الجميلة بين الأستاذ وتلميذه، بل طوّرها إلى علاقة زمالة وصداقة واحترام متبادل.

اليوم، وبعد عقود من العمل الإعلامي والأكاديمي، لا يمكن قراءة تجربته بوصفها سيرة فردية فقط. إنها جزء من سيرة الإعلام العراقي نفسه؛ ذلك الإعلام الذي عاش الحصار والحرب والاحتلال والإرهاب والتحولات الرقمية، وظل يبحث عن معنى الحقيقة وسط ضجيج الروايات المتصارعة.

لقد كتب آلاف الأخبار والمقالات والدراسات، لكن أثره الحقيقي ربما لا يكمن في ما كتب فقط، بل في الأجيال التي علّمها، وفي الوعي الذي أسهم في بنائه، وفي الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام تلامذته وقرائه.

هكذا يبقى فاضل البدراني واحداً من أبناء العراق الذين لم يكتفوا بوصف العاصفة، بل حاولوا فهمها. لم يكتفوا بنقل الحدث، بل سعوا إلى تفسيره. ولم يكتفوا بالعيش داخل التاريخ، بل شاركوا في كتابته.

إنه، في جوهره العميق، رجل آمن بأن الإعلام ليس مهنة للكلام، بل مسؤولية للمعنى؛ وأن الصحفي الحقيقي لا يقف عند حدود الخبر، بل يواصل الحفر حتى يعثر على الحقيقة المختبئة خلفه.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93430