4 يوليو، 2026 - 1:50 صباحًا
سليدرمقالات وآراء

مِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَات (2) وَجْهًا لِوَجْهٍ مَعَ قَاتِلٍ مَأْجُورٍ

بقلم/ د. عبد الرحيم الشويلي

بَعْدَ جَوْلَتِي الدِّرَامِيَّةِ الصَّبَاحِيَّةِ فِي أَسْوَاقِ السِّلَاحِ وَالْمَشْرُوبَاتِ الْكُحُولِيَّةِ، عُدْتُ مَعَ حُلُولِ الْمَسَاءِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ بَيْتًا بِقَدْرِ مَا كَانَ يُشْبِهُ مَلْجَأً صَغِيرًا فِي مَدِينَةٍ فَقَدَتْ ذَاكِرَتَهَا.

كَانَتْ شَمْعَةٌ وَاهِنَةٌ تُقَاوِمُ الظَّلَامَ الَّذِي غَطَّى بَغْدَادَ، فِيمَا جَلَسَ صَدِيقِي الْمَرْحُومُ سَامِي إِلَى جَانِبِي، نَحْتَسِي أَكْوَابَ الشَّايِ الْأَسْوَدِ بِصَمْتٍ ثَقِيلٍ.

حَكَيْتُ لَهُ مَا رَأَيْتُ صَبَاحًا، وَرَوَيْتُ لَهُ تَفَاصِيلَ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ أَتَصَوَّرُ أَنْ تَشْهَدَهُ بَغْدَادُ يَوْمًا. كُنْتُ أَتَوَقَّعُ أَنْ تَرْتَسِمَ عَلَى وَجْهِهِ عَلَامَاتُ الدَّهْشَةِ أَوِ الِاسْتِغْرَابِ، غَيْرَ أَنَّ مَلَامِحَهُ بَقِيَتْ هَادِئَةً عَلَى نَحْوٍ أَثَارَ قَلَقِي. كَانَ يُومِئُ بِرَأْسِهِ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَشْيَاءَ أَكْثَرَ قَسْوَةً مِنْ حِكَايَتِي.

قَالَ لِي بِصَوْتٍ يُثْقِلُهُ الْحُزْنُ: ــ هَلْ تَذْهَبُ مَعِي غَدًا بِسَيَّارَتِي لِنَرَى مَا يَحْدُثُ خَارِجَ حُدُودِ مَنْطِقَتِنَا؟ لِنَذْهَبْ إِلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَالْبَتَاوِينِ.

فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي انْطَلَقْنَا مَعًا. كَانَتْ بَغْدَادُ تَبْدُو مَدِينَةً خَرَجَتْ تَوًّا مِنْ زِلْزَالٍ هَائِلٍ. كَانَتِ الدَّبَّابَاتُ الْأَمْرِيكِيَّةُ تَقِفُ عِنْدَ التَّقَاطُعَاتِ، وَالْجُنُودُ يُرَاقِبُونَ الْمَشْهَدَ مِنْ فَوْقِ مُدَرَّعَاتِهِمْ بِصَمْتٍ بَارِدٍ، فِيمَا كَانَتِ الْمَدِينَةُ تَغْرَقُ فِي فَرَاغٍ أَمْنِيٍّ وَقَانُونِيٍّ لَمْ تَعْرِفْهُ فِي تَارِيخِهَا الْحَدِيثِ.

وَصَلْنَا إِلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، ثُمَّ اتَّجَهْنَا نَحْوَ الْبَتَاوِينِ. وَبِحُكْمِ مَوْقِعِهَا فِي قَلْبِ الْعَاصِمَةِ، وَمَا تَضُمُّهُ مِنْ فَنَادِقَ شَعْبِيَّةٍ رَخِيصَةٍ وَمَبَانٍ قَدِيمَةٍ، تَحَوَّلَتِ الْمِنْطَقَةُ إِلَى مَلَاذٍ لِلْهَارِبِينَ وَالْمَشْبُوهِينَ وَتُجَّارِ السِّلَاحِ وَالْخَارِجِينَ عَلَى الْقَانُونِ، إِضَافَةً إِلَى بَعْضِ الْفَارِّينَ مِنَ السُّجُونِ بَعْدَ قَرَارَاتِ الْعَفْوِ الَّتِي سَبَقَتِ الْحَرْبَ.

كَانَتِ الْمَشَاهِدُ تَتَكَرَّرُ بِصُورَةٍ تَدْعُو إِلَى الذُّهُولِ؛ أَسْلِحَةٌ مَعْرُوضَةٌ لِلْبَيْعِ، وَمَشْرُوبَاتٌ كُحُولِيَّةٌ مُسْتَوْرَدَةٌ، وَوُجُوهٌ غَرِيبَةٌ، وَحَرَكَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ فِي شَوَارِعَ كَانَتْ حَتَّى الْأَمْسِ الْقَرِيبِ تَنَامُ بَاكِرًا.

وَأَثْنَاءَ سَيْرِنَا قَالَ لِي سَامِي: ــ لَقَدْ تَحَدَّثَتْ بَعْضُ الصُّحُفِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَوَكَالَاتُ الْأَنْبَاءِ الَّتِي زَارَتْ بَغْدَادَ آنَذَاكَ عَنْ ظَاهِرَةٍ غَرِيبَةٍ بَدَأَتْ تَظْهَرُ فِي الْبَتَاوِينِ، حَيْثُ افْتُتِحَتْ مَكَاتِبُ وَهْمِيَّةٌ لِتَصْفِيَةِ الْحِسَابَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، مُسْتَغِلَّةً وَفْرَةَ السِّلَاحِ وَغِيَابَ الشُّرْطَةِ وَالْمَحَاكِمِ وَانْهِيَارَ سُلْطَةِ الدَّوْلَةِ.

وَصَلْنَا إِلَى الْمِنْطَقَةِ، وَلَمْ نَسْتَطِعْ فِي الْبِدَايَةِ مُغَادَرَةَ السَّيَّارَةِ. كَانَ الْخَوْفُ مِنْ سَرِقَتِهَا يُلَاحِقُنَا حَتَّى وَنَحْنُ بِدَاخِلِهَا. وَبَعْدَ جُهْدٍ وَجَدْنَا مَكَانًا قَرِيبًا مِنَ الشَّارِعِ الْعَامِّ، فَأَغْلَقْنَا الْأَبْوَابَ وَسِرْنَا بِحَذَرٍ.
كَانَتِ الْمَنَاظِرُ نَفْسُهَا تَتَكَرَّرُ فِي بَغْدَادَ الْجَدِيدَةِ وَسُوقِ مُرَيْدِي وَالْأَحْيَاءِ الشَّرْقِيَّةِ الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا أَصْبَحَتْ نُسْخَةً وَاحِدَةً مِنَ الْفَوْضَى.

هَمَسْتُ لِصَدِيقِي: ــ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَأَخَّرَ كَثِيرًا.
سِرْنَا بِبُطْءٍ فِي الشَّارِعِ الَّذِي يَشْطُرُ الْبَتَاوِينِ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَالْقَلَقُ يَسْبِقُ خُطُوَاتِنَا. وَعِنْدَ أَوَّلِ مَقْهًى، تَجَمَّدَتْ أَعْيُنُنَا أَمَامَ مَشْهَدٍ لَمْ نَرَهُ إِلَّا فِي أَفْلَامِ الْغَرْبِ الْأَمْرِيكِيِّ وَأَفْلَامِ الْعِصَابَاتِ.

رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الْعُمْرِ، نَحِيلُ الْجَسَدِ، حَفَرَتِ التَّجَاعِيدُ وَجْهَهُ بِقَسْوَةٍ، يَرْتَدِي بِنْطَالًا قَدِيمًا وَقَمِيصًا نِصْفَ كُمٍّ، وَيَنْتَعِلُ نَعْلًا بِلَاسْتِيكِيًّا رَخِيصًا. وَعَلَى خَاصِرَتِهِ الْيُمْنَى مِسْدَسٌ ظَاهِرٌ لِلْعِيَانِ، بَيْنَمَا كَانَ يَحْمِلُ بِيَدِهِ قِطْعَةَ كَارْتُونٍ مَقْصُوصَةً بِشَكْلٍ عَشْوَائِيٍّ، كُتِبَ عَلَيْهَا بِقَلَمِ رَصَاصٍ عِبَارَةٌ قَصِيرَةٌ صَادِمَةٌ:
«قَاتِلٌ مَأْجُورٌ»
وَقَفْنَا أَمَامَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَعَرْتُ أَنَّ بَغْدَادَ الَّتِي أَعْرِفُهَا قَدِ ابْتَعَدَتْ آلَافَ السِّنِينَ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي أَحْبَبْنَاهَا لَمْ تَعُدْ هُنَا. لَمْ يَكُنِ الْمَشْهَدُ سِينَمَائِيًّا، بَلْ كَانَ حَقِيقَةً تَقِفُ أَمَامَنَا عَلَى الرَّصِيفِ.
صَرَخَ سَامِي: ــ عُدْ إِلَى السَّيَّارَةِ بِسُرْعَةٍ.
اسْتَدَرْنَا مُسْرِعَيْنِ، وَكَانَتْ دَقَّاتُ الْقَلْبِ أَعْلَى مِنْ أَصْوَاتِ الْمَدِينَةِ.
وَفِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ لَمَحْنَا رَجُلًا مُسِنًّا كَانَ يُرَاقِبُنَا مِنْ بَعِيدٍ. ابْتَسَمَ لَنَا وَسَأَلَ:
ــ لِمَاذَا لَمْ تُكْمِلُوا جَوْلَتَكُمْ؟
أَجَبْنَاهُ:
ــ يَكْفِينَا مَا رَأَيْنَاهُ، لَقَدْ شَاهَدْنَا قَاتِلًا مَأْجُورًا.
أَطْفَأَ سِيكَارَتَهُ، وَضَحِكَ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ قَالَ:
ــ أَيَّ قَاتِلٍ تَقْصِدَانِ؟ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ قَاتِلٍ مَأْجُورٍ فِي هَذَا الشَّارِعِ، وَرُبَّمَا أَمَامَ كُلِّ مَقْهًى مِنْ مَقَاهِي الْبَتَاوِينِ.
ثُمَّ أَضَافَ سَاخِرًا:
ــ إِنَّهَا مِهْنَةٌ جَدِيدَةٌ، أُجُورُهَا لَيْسَتْ مُرْتَفِعَةً، تَتَرَاوَحُ بَيْنَ خَمْسِينَ وَمِائَةِ دُولَارٍ فَقَطْ.
كَانَتْ كَلِمَاتُهُ أَكْثَرَ رُعْبًا مِنَ الْمَشْهَدِ نَفْسِهِ؛ فَحِينَ يُصْبِحُ الْقَتْلُ مِهْنَةً مُعْلَنَةً، وَيُصْبِحُ الْقَاتِلُ بَائِعًا يَنْتَظِرُ زَبَائِنَهُ عَلَى الرَّصِيفِ، فَإِنَّ الْمَدِينَةَ تَكُونُ قَدْ دَخَلَتْ مَرْحَلَةً لَمْ تَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ.
عُدْنَا إِلَى السَّيَّارَةِ مُسْرِعِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي صُدُورِنَا سِوَى غَضَبٍ هَائِلٍ. كُنَّا نَلْعَنُ الِاحْتِلَالَ، وَنَلْعَنُ الْمُجْرِمِينَ، وَالْقَتَلَةَ الْمَأْجُورِينَ، وَكُلَّ مَنْ أَسْهَمَ فِي جَلْبِ الْخَرَابِ إِلَى بَغْدَادَ.
لَقَدْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَيَّامُ مِنْ أَكْثَرِ الْأَيَّامِ ظُلْمَةً فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ؛ أَيَّامًا سَقَطَتْ فِيهَا الْقَوَانِينُ، وَارْتَبَكَتِ الْقِيَمُ، وَضَاعَتِ الْحُدُودُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْوَاقِعِ.
أَمَّا بَغْدَادُ الَّتِي عَرَفْنَاهَا، بَغْدَادُ الْأَمَانِ وَالْمَقَاهِي وَالْكُتُبِ وَالنَّخِيلِ، فَقَدْ كَانَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ تَبْكِي بِصَمْتٍ، بَيْنَمَا كَانَ أَبْنَاؤُهَا يَسِيرُونَ بَيْنَ الْأَنْقَاضِ وَهُمْ يَتَسَاءَلُونَ:
كَيْفَ يُمْكِنُ لِمَدِينَةٍ يَمْتَدُّ عُمْرُهَا لِآلَافِ السِّنِينَ أَنْ تُصْبِحَ فَجْأَةً مَدِينَةً يَخْجَلُ فِيهَا الْإِنْسَانُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الرَّصِيفِ؟
بقلم/
د. عبد الرحيم الشويلي

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93637