3 يونيو، 2026 - 11:28 صباحًا
مقالات وآراء

العراق بعد 2003 جريمة عالمية عربية.. إلى اين ؟.. بقلم / استاذ دكتور .طارق السامرائي

لم تكن جريمة احتلال العراق عام 2003 جريمة العصر في اطارها الظرفي والضرورة التاريخية لديمومة الوجود الصهيوني وتكريس مشروع الشرق الأوسط الجديد وتدمير منطلقات الامن القومي العربي فحسب بل ولوج أمريكي أوربي إيراني صهيوني تحت مظلة هستريا عسكرة كل الاستراتيجيات وتمييع التطلع الي بناء استقلالية الامن العربي في دولة الوحدة وهو الامر الذي لم تستوعبه دول المنطقة وتقرأ ما وراء الحاضر في الوقت الذي استعدت له القوي الغاصبة منذ العشرينيات بطروحات من فكر دولة التاج البريطاني ،وهو بحد ذاته سوء وقصور عربي في تقدير المستقبليات وعدم الاستعداد للملمةالواقع العربي في تحول نوعي وانقلابية ثورية للمجتمع بهدف(بناء الإنسان العربي )
والسؤال لماذا بدايات التأمر علي العراق كمدخل لتوطين المشروع الأوربي الأمريكي الصهيوني الايراني ؟
والجواب يحضر في ذهن المثقفين لما يتمتع به العراق من مزايا تاريخية وحاضرة فكرا وممارسة وهو ارض الانطلاقة في قيادة (موسوعة الامن القومي العربي وضروراته الاستراتيجية)
اختير العراق كمنصة اولي للتدمير لكي تغلق ابواب التمدد لأيدلوجية الوحدة العربية وتوليد ألية الطرد المعاكس للوجود الصهيوني وصناعة نظم تخدم قضايا العرب وتلغي عمليات ترسيخ عوامل التوريث والخلافة للحكم العربي الي بلورة جديدة للمجتمع العربي ترتكز علي الممارسة الديمقراطية وحماية الكنوز الاقتصادية في المنطقة وتداول سياستها الوطنية القومية وهو الهاجس الذي يقلق الاخوية
لذلك ولاسباب جوهرية اخري تم الاتفاق علي اعدام العراق وتحويله الي منصة ايرانية تخدم مصالح بؤر الطامعين وصولا الي تحقيق الاهداف المرسومة في ظل المشروع البريطاني القديم والأمريكي الغربي الصهيوني الايراني ألاني !
لم يستوعب العرب او تم استيعابه ولكن القاسم المشترك للمصالح المتداخلة صوب البوصلة العربية نحو تعزيز هذا المشروع وتدمير فرصة بناء الامن القومي في ظل الدولة العربية الشاملة .يوازيه ونحن في عالم تكنولوجيا المعلومات والثقافة الموجهة والذكاء الاصطناعي ،إلا ان ارتكاب جريمة احتلال العراق لم تنتج بما يوازي الاهداف المركزية بل اختزلتها بعد الصدمات التي واجهتها في ظل التمدد الإيراني وسياسة التجهيل والفكر الطائفي اليميني المتشدد وقولبة المنطقة الي ما يشبه واقع التشرذم للسياسة الاجنبية الغربية والولايات المتحدة وإسرائيل ،وحصل هذا التباعد في رسم خريطة حاضر ومستقبل المنطقة والذي تسيدت فيه الفطنة الاسرائيلية قبل امريكا التي بسطت سيادتها بعد الاحتلال ولكن بطريقة عرجاء تتحملها الإدارات السياسية الأمريكية والتي توّجها الرئيس اوباما في تسييح السياسة الإيرانية للمنطقة وفرض مرحلة التهميش للكيان الصهيوني الذي بدوره سارع لتغطية عورات السياسة الأمريكية المنفلتة والتهيؤ لمرحلة الإقصاء للسياسة والتمدد الإيراني والذي امتدّت اذرعه الأخطبوطية لبلدان القارة الأفريقية وبعض من دول الجوار الآسيوي ،لذلك استشعرت اسرائيل بسيناريو ايران وخاصة في جنوب لبنان وخاصرة اسرائيل والذي نال من التحالف الصهيوني الأمريكي الغربي اصعب الأمرين وفقدت ايران بالحرب الفلسطينية من غزة وحزب الله والحوثين اجود معادنها في خط الشروع .
لقد كانت ولا تزال حرب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل علي ايران احد عناصرها في احراز النصر هو التغيير في النظام السوري وفقدان بيدق التعزيز والإسناد بوجود بشار الاسد وروسيا وحزب الله !
لم تكن امريكا قد جندت معلوماتها الاستخبارية ولا حجم قدراتها في تحقيق قراءة معمقة لما هو ما بعد الاحتلال للعراق وانما اكتفت بما افرزته الظروف من اعداء ومناهضي الخط القومي وهو فعلا (سوء تقدير اسس لايران سياسة التمدد والتي باتت خصما استراتيجيا لمصالح الثالوث الأمريكي الصهيوني الغربي ،وهو بحد ذاته فشل ذريع في صياغة المشروع الذي تتبناه اسرائيل وهو إطفاء هدف الوحدة العربية وتمزيق ثقافتها وشعاراتها ثم توطين وضع اليد علي المنطقة اقتصاديا وسياسيا
وعودة للتاريخ وهو (التحذير )الذي أطلقته دول المنطقة وفي طليعتها السعودية بشأن مآلات السياسة لم الأمريكية بعد غزو العراق في عام 2003 لم يكن عفوياً وانفعالياً او موقف سياسي مرحلي وانما كان استشرافاً مبكراً لفراغ سياسي استراتيجي صعب وخطير !
حدث الفراغ ولم يتأخر حتي ملأته (ايران)مستفيدة من انهيار هيكل دولة العراق وتفكك جهازها المؤسسي .
والاستنتاج المنطقي يقدم موسوعة التحالف والتفاهم بين طهران وواشنطون وتل ابيب باطار مشروع مشترك للسيطرة علي الخليج وهو الذي يختزل مشهدا بالغ التعقيد في سردية لا تصمد امام التحليل المعمق .
دخلت أمريكا العراق وهي تحمل مشروعا صهيونيا غربيا ايرانيا طموحا لاعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط مستمدة جذور نشر مفاهيم جديد (الديمقراطية)واعادة بناء ثقافة ونهج سياسي لمجتمع عرب المنطقة وهي عبارة عن فرضيات اللوبي الصهيوني بمباركة من قيادة الادارة الأمريكية التي تعهد بالإشراف عليها (بوش الاب والابن )عهدا للوبي الصهيوني ووفاءً لضريبة استلام منصب الرئاسة.
هذا المشروع الأمريكي الصهيوني اصطدم بواقع اجتماعي وسياسي لم تعي له الادارة الأمريكية وعيا دقيقا ،فأحدثت قرارات عشوائية تم فيها حل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة واعتماد نظام سياسي قائم علي المحاصصة المستوردة من ايران الحليف المؤقت لتنتج بيئة مثالية للفوضي والتشتت والضياع ،لا للاستقراروالبدء في بناء هياكل الدولة ،في المقابل كانت ايران تنتظر انتهاء أمريكا من فصول المعركة العسكرية لتدخل الي الفراغ العراقي ،فمنذ قيام ثورة خميني الاسلامية الإيرانية عام 1979 وهي تطمح الي توسيع نفوذها الاقليمي وفي اولوياتها النظام العراقي فوجدت الفرصة التاريخية التي لا تتكرر ،فقد كان صدام حسين قائدا عربيا وحيدا الذي وقف بصلابة وايمان في وجه طموح ايران التوسعي وبدوره تمدد الالسياسة العقائدية وتطرفها الديني وتحت مسمي (تصدير الثورة الإسلامية ).
وبذهاب نظام الرئيس صدام حسين اندفعت ايران لبناء شبكة نفوذ معقدة داخل المجتمع العراقي ،شملت الفصائل والقوي السياسية والميليشيات المسلحة المتطرفة وبعض من المفاصل الامنية والاقتصادية باطار مذهبي معلوم .
لكن هل هذا يعني وجود تنسيق او توافق ورضي سياسي استراتيجي بين طهران وواشنطن ؟.
نعم وربما الي حدود قراءة حصاد المنافع للطرفين وهي اجابات يؤكد عليها بعض المؤرخين والذين واكبوا فقرات الاحتلال باطار جرمي لان أمريكا كانت بحاجة الي وسيط حاقد علي النظام العراقي وتوجس نجاحه في المنطقة وفي طليعتهم ايران والكويت والسعودية ودول الخليج وانظمة عربية اخري .
فكانت امريكا بلجؤها الي ايران انطلاقا من طبيعة العلاقات المتوترة بين الطرفين (العراق و ايران )علي مدي عقود بصراع بنيوي عميق تجلي في العقوبات الاقتصادية ومواجهات غير مباشرة واحتكاكات عسكرية حدودية وتحريض داخلي .
ومن المؤكد ان نتائج السياسات الأمريكية صبت في مجري المصلحة الإيرانية ولكنها لم تكن مقصودة من الولايات المتحدة الأميركية لكنها ضرورة مرحلية وهي بالاساس لم تكن وليدة تحالف استراتيجي ولكن اطار حقبة زمنية استجدت فيها متغيرات تتطلب سياسيا مواقف !!!
والأدق في تاريخ هذه الجريمة هو القول ان ما حدث يمثل نموذجاً كلاسيكياً بما ندعوه (تقاطع النتائج دون تلاقي الاهداف ).
الولايات المتحدة الأمريكية سعت وفي حاضنتها المحرك الديناميكي اسرائيل وبريطانيا الي اسقاط نظام البعث وصدام حسين وهو خصم عنيد واعادة هندسة نظام سياسي جديد ،بينما ايران سعت الي استثمار هذا التحول لتعزيز نفوذها ودورها التاريخي المنتظر لدول الجوار الخليجي ،وفي لحظة تاريخية محددة تقاطعت نتائج المشروعين دون ان يلتقيا في الجوهر والهدف المركزي .
حاولت واشنطن احتواء النفوذ الإيراني في مراحل متاخرة استفحلت فيه مخالب الدعم الايراني وإنشاء امبراطورية مذهبية داخل المجتمع العراقي وحاولت ممارسة ضغوط اقتصادية وانخراطات في صراعات ناعمة مع فصائل وميليشيات ايران داخل العراق إلا ان الأمر كان قد استشري وه احد ابرز إخفاقات واشنطن في سياستها عبر الاحتلال في العراق.
البعض وعبر نظرة ضيقة وفئوية يشير الي ان ماجري في العراق يختزل في مضمون (نظرية )(التواطؤات الامريكية-الايرانية) لكنه تحليل مضلل ،فالحقيقة ان هذا لا يريح الذهن ولا الضمير والأكثر إقناعا هو ان الولايات المتحدة الأميركية ارتكبت خطأ استراتيجيا غبياً ومؤذيأبينما أفلحت ايران استغلال هذا الخطأ الي اقصي حد ،فتمددت في نفوذها وبسطت ذراع شراء العملاء في شبكة اطارها العام المذهبية وتأسيس مافيا من العملاء والذيول ونشرت مبادئ (حوزة قم وولاية الفقيه )في صفوف الطرف الشيعي العراقي .
لم يكن العراق ساحة تلاقي مشروعين بقدر ما كان (ضحية )لفشل أمريكا وبراعة ايران ،وبين سوء تقدير أمريكي مقابل البرغماتية الإيرانية تشكل واقع إقليمي جديد لا يزال دوله مع العراق يدفع ثمنا باهضا له ،الأمر الذي انتبهت له أمريكا من نوايا ايران في تدمير المنطقة وبث سموم عاصفة المذهب وهو الأمر الذي يقض المنام الأمريكي وإسرائيل والغرب .
والحرب الان هي نتيجة وليست باكورة عمل لتصحيح وضع الشرق الأوسط بل لاجل تقليم الأظافر…فإليّ اين يبقي المخاض ؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=91097

موضوعات ذات صلة

د. ابو خليل الخفاف يكتب.. العراق بوابة العرب الشرقية

admin

رامي الشاعر يكتب.. العقيدة العربية لردع إسرائيل والعقيدة النووية الروسية دفاعا عن التعددية القطبية

admin

أ .د عبد الكريم الوزان يكتب.. الإعلام والنهضة الإسلامية والحضارية

admin

تسييس الدين في العراق المحتل.. مطرقة الاحزاب على سندان الدولة الفاشلة

admin

منطقة الساحل لم تخسرها فرنسا فقط بل أوربا بأكملها

admin

د. أبو خليل الخفاف يكتب.. أن الشعوب السامية والثقافات السامية براء من الصهيونية العالمية

admin