”في السنوات الماضية، كان الحديث عن اندلاع مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو يُصنَّف ضمن أحداث الردع المتبادل والحرب الباردة الجديدة، لكن ما يجري اليوم في أوروبا يتجاوز كثيرًا حدود المناورات السياسية أو الاستعراضات العسكرية التقليدية.
القارة الأوروبية تدخل تدريجيًّا مرحلة إعادة تموضع إستراتيجي شامل، عنوانه الأبرز: الاستعداد لاحتمال الحرب.
إعلان بريطانيا وتسع دول أوروبية تشكيل قوة بحرية مشتركة عالية الجاهزية للعمل الفوري في بحر البلطيق وبحر الشمال، لا يمكن قراءته على أنه خطوة دفاعية عابرة، بل مؤشر واضح على انتقال أوروبا إلى مرحلة جديدة من التعامل مع روسيا؛ مرحلة تقوم على أن الصدام لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل أحداث يجب الاستعداد لها ميدانيًّا وتقنيًّا ولوجستيًّا.
المشهد الحالي يزداد تعقيدًا بسبب التصعيد المتبادل حول ممر سوالكي، الذي يُعد أخطر نقطة جغرافية في أوروبا حاليًا.
هذا الممر الضيق الواقع بين بولندا وليتوانيا يفصل مقاطعة كالينينغراد الروسية عن بيلاروسيا، ويُنظر إليه على أنه عقدة الاشتباك المحتملة بين موسكو والناتو.
روسيا ترى أن أي تحركات عسكرية غربية قرب هذا الممر قد تكون مقدمة لعزل كالينينغراد، وهي منطقة لا تمثل مجرد مدينة روسية منفصلة جغرافيًّا عن الأراضي الروسية، بل قاعدة عسكرية متقدمة تضم قدرات صاروخية وبحرية ورادارية تجعلها واحدة من أهم مفاتيح النفوذ الروسي في بحر البلطيق.
في المقابل تخشى دول الناتو من أن تسعى موسكو إلى فرض ممر بري بالقوة يربط روسيا ببيلاروسيا وكالينينغراد، وهو ما تعتبره أوروبا تهديدًا مباشرًا للجبهة الشرقية للحلف.
الخطير في الأمر أن الطرفين يتحركان اليوم وفق عقيدة “الاستعداد للضربة الأولى”، لا وفق منطق احتواء التصعيد.
وهذه المرحلة تُعد تاريخيًّا أخطر مراحل التوتر العسكري؛ لأن الحسابات تصبح قائمة على الخوف من المفاجأة العسكرية أكثر من الرغبة في تجنب الحرب.
لكن المواجهة المحتملة لن تكون برية فقط، بل بحرية وفضائية وتقنية أيضًا.
بحر البلطيق وبحر الشمال تحولا إلى ساحتين بالغتي الحساسية، ليس فقط بسبب الانتشار العسكري، بل لأنهما يحتويان على ممرات طاقة وكابلات إنترنت عالمية وخطوط إمداد بحرية حيوية، إضافة إلى مواقع إستراتيجية للأساطيل والغواصات.
أما القطب الشمالي، فقد أصبح ساحة صراع دولي مفتوح بسبب الثروات الهائلة الكامنة فيه: من الغاز والنفط والمعادن النادرة، إلى جانب الممرات البحرية الجديدة التي قد يفتحها ذوبان الجليد مستقبلًا.
ولهذا فإن أي مواجهة في بحر الشمال قد تتحول سريعًا إلى صراع على النفوذ العالمي وليس مجرد نزاع أوروبي محدود.
وفي الخلفية، تدور حرب أخرى أقل ظهورًا لكنها أكثر خطورة: حرب الفضاء.
العالم دخل بالفعل مرحلة سباق فضائي عسكري جديد، حيث أصبحت الأقمار الصناعية عنصرًا حاسمًا في:
* توجيه الصواريخ.
* تحديد مواقع الجيوش.
* إدارة الاتصالات.
* تشغيل الإنترنت.
* حماية الأنظمة المالية والمصرفية.
إطلاق السويد أقمارًا صناعية ذات طابع استخباري وعسكري، يقابله تسارع الحديث عن برامج روسية مضادة للأقمار الصناعية، وسط تحذيرات غربية من سعي موسكو إلى تطوير قدرات قادرة على تعطيل جزء كبير من البنية الفضائية المعادية في حال اندلاع مواجهة كبرى. وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية؛ فالحرب القادمة ـ إن وقعت ـ لن تكون حرب حدود تقليدية، بل حرب تعطيل شامل قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والاتصالات والطاقة وحتى الحياة اليومية للبشر حول العالم.
الأوروبيون يدركون اليوم أن مرحلة “السلام الطويل” التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت تتآكل تدريجيًّا، ولذلك نشهد سباقًا متسارعًا نحو:
* رفع الإنفاق العسكري.
* إعادة بناء الصناعات الدفاعية.
* تعزيز الأساطيل البحرية.
* توسيع القدرات السيبرانية والفضائية.
أما روسيا، فهي تتحرك بعقيدة تعتبر أن التراجع أمام تمدد الناتو يعني خسارة موقعها، باعتبارها قوة عظمى، ولهذا تتعامل مع المعركة باعتبارها معركة وجود ونفوذ وتوازن دولي.
إن العالم يقف اليوم أمام لحظة شديدة الحساسية؛ لحظة تختلط فيها الجغرافيا بالطاقة، والبحار بالفضاء، والتكنولوجيا بالعقيدة العسكرية.
وحين تتحول البحار والأقمار الصناعية إلى ساحات مواجهة، فإن أي خطإ في الحسابات قد لا يشعل أزمة إقليمية فقط، بل قد يفتح الباب أمام أخطر صدام دولي لم يشهده العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
أوروبا على حافة الاشتعال.. بقلم/ د. فالح الشبلي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=91186
