3 يونيو، 2026 - 10:44 صباحًا
مقالات وآراء

أ. د. محمد طاقة يكتب.. الانتخابات العراقية بين الخداع المتكرر ووعي الشعب

قال رسول الله محمد (ص) ، (( لايلدغ المؤمن من جحر واحدٍ مرتين )) . نبه رسول الله في هذا الحديث الشريف ، المؤمنين من الحذر الذي لا يخدع مرتين من نفس المصدر ، أي ان المؤمن إذا خُدع أو أصيب بمكروه من جهة ما ، فإنه يتعلم من التجربة ولا يسمح لنفسه بأن يقع في نفس الخطأ ثانية .
لكن ما بالنا اليوم وقد لُدغنا اكثر من عشرين مرة خلال عقدين من الزمن ، وما زال آلبعض يتهيأ للذهاب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب نفس الوجوه والأحزاب التي جلبت على العراق الدمار والخراب ؟
لقد اثبتت السنوات العشرون الماضية انها اشد الفترات قسوة في تاريخ العراق الحديث ، اذ عانى العراقيون فيها من الاضطهاد والتشريد والقتل والسجون ، وشهد البلد انهياراً شاملاً في الخدمات العامة وتفشياً للفساد بكل اشكاله ، المالي والإداري والاخلاقي ، حتى غدت الدولة غارقة في نظام ثيوقراطي فاسد دمر البنية الاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية للمجتمع العراقي .
فبعد عشرين عاماً من الفساد والفشل بلغ معدل الفقر في عام (2021) ليصل إلى (31،7%‎) ، كما لا يزال اكثر من (‎12 %) من العراقيين يعانون حرماناً حقيقياً في التعليم والخدمات او الدخل .
وتقدر معدلات البطالة العامة في العراق ما بين (15-16 ‎‎‎%‎) في السنوات الأخيرة بينما ترتفع بين الشباب الفئة العمرية بين (15- 24 سنة) إلى اكثر من (30 ‎%‎) .
اما بالنسبة للأمية ، وبالرغم ما يمتلكه العراق من تاريخ عريق في التعليم ، فقد ارتفعت معدلات الامية بشكل مقلق اذ تشير تقارير اليونسكو لعام (2022) إلى نحو (12) مليون إنسان أمي او اكثر يعيشون اليوم بلا تعليم فعلي ، بعد ان كان العراق في سبعينات القرن الماضي نموذجاً إقليمياً في محو الامية .
منذ عام (2003) وحتى اليوم ، نُهبت من خزينة العراق مبالغ خيالية لايمكن حصرها على الإطلاق وتقدر بمئات المليارات ، وبحسب تقارير ديوان الرقابة المالية العراقية وخبراء الاقتصاد تجاوزت ال (450) مليار دولار وهي بالحقيقة اكثر من ذلك بكثير .
ومنها فضيحة تُعرف بسرقة القرن والتي سرقت فيها (2،5) مليار دولار من اموال الضرائب العامة .
وبحسب تقديرات غير رسمية فإن مجموع ما فقد بسبب الفساد والمشاريع الوهمية ورواتب الموظفين الأشباح وغيرها من مصادر الإيرادات المختلفة تصل كحد ادنى الى (2) ترليون دولار تقريباً .
وهكذا تحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد ريعي هش مرهون بالكامل لإيرادات النفط ، ومكبل بالارتباط المالي والتجاري مع الاقتصاد الإيراني ، حتى اصبح البلد فعلياً تابعاً سياسياً واقتصادياً لايران من خلال نفوذ المليشيات المسلحة والحشد الشعبي ، الذي يهيمن على القرار الأمني والسياسي .
كان من اهداف الاحتلال الامريكي وحكومات الاحتلال المتعاقبة على حكم العراق تفكيك ركائز القوة الوطنية العراقية .
فخلال العقدين الماضيين ، تم اغتيال اكثر من (1500) عالم وأكاديمي ، وتهجير الآلاف منهم ، وتمت ملاحقة الاف الضباط الوطنيين الذين خدموا في الجيش العراقي الوطني قبل عام (2003) ، كما تم إقصاء المثقفين والأطباء واساتذة الجامعات ، مما أدى إلى تفريغ العراق من كفاءاته وتحطيم الطبقة الوسطى التي كانت تمثل عماد التطور والإنتاج الوطني .
لقد تحول إلى طبقتين ، قلة تملك السلطة والثروة ، وغالبية مسحوقة بالكاد تجد قوتها اليومي .
إلى جانب الفساد المالي ، انتشر الفساد الاخلاقي بصورة غير مسبوقة ، فالمخدرات التي كانت نادرة في العراق قبل عام (2003) اصبحت اليوم تتداول علناً ، وتحولت بعض المحافظات الجنوبية إلى ممر رئيسي لتهريبها من ايران .
ما أدّى إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتدمير الشباب ، في ظل غياب القانون وتواطؤ الأجهزة الامنية والسياسية .
إضافة إلى ما تقدم ، تُرك العراق بلا صناعة وطنية ، بعد ان تم إغلاق معظم المصانع والمشاريع الانتاجية ، وبلا زراعة بعد تدمير البنية التحتية للري والمياه ، وبلا خدمات بعد ان فشلت الحكومات المتعاقبة في تأمين ابسط حقوق الانسان ، الماء والكهرباء والتعليم والصحة والسكن اللائق .
لقد تم تحطيم كل مقومات التنمية المستدامة وتحويل العراق إلى سوق استهلاكي تهيمن عليه السلع الإيرانية ، والى بلد يعتمد على الاستيراد حتى ابسط احتياجاته .
فكيف تلدغ مرة اخرى ايها العراقي ؟
ومع كل ذلك ، ما زال هناك من يستعد للذهاب إلى صناديق الاقتراع لكن من هم هؤلاء ؟
غالباً لا تتجاوز نسبتهم من ( 10‎ %‎ -12‎ %‎) من مجموع الناخبين وهم اما :
⁃ اتباع لاحزاب موالية إلى ايران .
⁃ او فقراء يغريهم المال الانتخابي .
⁃ او من الأميين والسذج الذين يقادون باسم الدين والمذهب .
⁃ او من الخاضعين لتاثير المرجعيات الدينية والسياسية المتنفذة .
اما الأغلبية الصامتة ، من ابناء العراق الحقيقيين ، فقد ادركت ان لا ديمقراطية في ظل الاحتلال الأجنبي ونظام المليشيات وان المشاركة في انتخابات مزورة ومحسومة مسبقاًً ما هي إلا تجديد للخراب وتوقيع على استمرار الفشل .
يا ابناء العراق الشرفاء :
لقد أوصانا رسولنا الكريم محمد (ص) بالحذر فقال (( لايلدغ المؤمن من جحر واحدٍ مرتين )) ونحن اليوم نكاد نلدغ للمرة العشرين من الجحر نفسه .
فلنحكم عقولنا ، ولنرفض المشاركة في انتخابات صورية لا تعبر عن إرادة الشعب ، ولنرفع أصواتنا عالياً بالمقاطعة الواعية حتى نسقط شرعية هذا النظام الفاسد ، ونفتح باباً جديداً نحو تحرير الإرادة الوطنية ، وبناء دولة حقيقية قائمة على العدل والمواطنة والكفاءة لا على الطائفية والنهب والتبعية ..

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=88190

موضوعات ذات صلة

محمد بن سلمان‬ يضرب سرب من غربان برحلة مكوكية واحدة…؟

admin

الدكتور محمد العرب يكتب.. التاريخ سيكتبه الذكاء الاصطناعي…!

admin

طلعت عبد الرحمن يكتب.. الحية الرقطاء والفاشلة والمفصول 

admin

الدكتور محمد العرب يكتب/”كوندوليزا رايس”.. مفاجأة البيت الأبيض القادمة؟

admin

عبير عزت تكتب:أنا معترض إذن أنا موجود!!

admin

محمد العرب يكتب.. آه على اليمن

admin