في مشهدٍ يبعث على الغضب والأسى معاً، تكشّفت خلال الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران حقائق خطيرة تؤكد أن الأرض العراقية ما زالت مستباحة أمنياً وعسكرياً، وأن السيادة الوطنية التي يفترض أن تكون خطاً أحمر، قد تحولت للأسف إلى عنوانٍ هشٍّ تُخترق حدوده بلا رادع ولا حساب.
إن استخدام أجزاء من الجغرافية العراقية، أو الأجواء العراقية، كمنصات أو ممرات أو قواعد لوجستية لتنفيذ عمليات عسكرية إسرائيلية، يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة العراق وكرامة شعبه، وعدواناً مباشراً على دولة يفترض أنها مستقلة ذات قرار وطني حر. وما يزيد المشهد خطورة وإيلاماً هو الصمت الرسمي الضعيف المرتبك، والمواقف الحكومية الضعيفة التي لم ترتقِ إلى مستوى الحدث وحجم الإهانة الوطنية .
إن الشعوب الحية لا تقبل أن تتحول أراضيها إلى ساحات تصفية حسابات إقليمية ودولية، ولا أن تكون سماؤها مفتوحة أمام الطائرات والصواريخ والاستخبارات الأجنبية، بينما تقف الدولة عاجزة عن حماية حدودها وسيادتها. فالدفاع عن الوطن لا يكون بالشعارات، بل ببناء دولة قوية تمتلك جيشاً حديثاً محترفاً، ومنظومات دفاع جوي متطورة، وعقيدة وطنية خالصة تجعل حماية العراق فوق كل الولاءات والمحاور والمصالح الضيقة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن أحد أخطر أسباب هذا الضعف البنيوي هو ارتهان القرار العراقي للخارج، وتحديداً حجم النفوذ الإيراني وهيمنته على مفاصل الحياة السياسية والأمنية في العراق، الأمر الذي أفقد الدولة استقلالية قرارها، وأدخل البلاد في محاور وصراعات لا تخدم المصلحة الوطنية العراقية. كما ساهم نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، الذي فُرض بعد عام 2003، في تفكيك مفهوم الدولة الوطنية وإضعاف المؤسسات العسكرية والأمنية وتحويلها إلى أدوات متنازعة الولاءات، بدلاً من أن تكون مؤسسات سيادية جامعة لكل العراقيين.
لقد دفع العراق أثماناً باهظة بسبب هذا الانهيار في مفهوم السيادة، حتى أصبح المجال العراقي مفتوحاً أمام التدخلات الأجنبية، الأميركية منها والإيرانية والتركية والإسرائيلية وغيرها، في ظل غياب مشروع وطني حقيقي يعيد للعراق مكانته وهيبته ودوره التاريخي.
إن الشعب العراقي، الذي قدّم عبر تاريخه الطويل التضحيات الجسام دفاعاً عن أرضه وكرامته، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رفض كل أشكال استباحة الوطن، وإلى التمسك بالهوية الوطنية العراقية الجامعة بعيداً عن الانقسامات الطائفية والولاءات الخارجية. فالعراق لا يمكن أن يكون تابعاً أو ساحةً للآخرين، بل يجب أن يعود وطناً سيداً مستقلاً يمتلك قراره وإرادته الحرة.
إن الدفاع عن العراق لا يبدأ فقط من الحدود، بل يبدأ من تحرير الإرادة الوطنية، وبناء دولة المؤسسات، وإعادة الاعتبار للجيش الوطني المهني، وترسيخ مبدأ المواطنة، ورفض تحويل العراق إلى ميدان لحروب الآخرين.
وسيظل العراقيون الأحرار يرددون :
إن السيادة ليست شعاراً سياسياً للاستهلاك الإعلامي، بل كرامة وطن، وحق شعب، وواجب دولة.
ومن لا يحمي أرضه… يفقد حقه في المستقبل.
