17 يوليو، 2026 - 1:12 صباحًا
سليدرمقالات وآراء

العراق بين ثروة منهوبة وخدمات منهارة: الفساد الذي سرق الماء والكهرباء وحق الإنسان في الحياة

بقلم/ د. بندر عباس الامي

بقلم ابن العراق
لم تعد أزمة الماء والكهرباء وتردي الخدمات العامة في العراق مجرد مشكلات فنية أو إدارية يمكن تفسيرها بنقص الخبرة، أو ضعف التخطيط، أو زيادة عدد السكان. كما لم يعد مقنعاً أن تُعزى هذه الأزمات بصورة دائمة إلى الحروب، أو الظروف الإقليمية، أو تغير المناخ، أو نقص الموارد. فالعراق بلد يمتلك ثروات مالية وطبيعية وبشرية كبيرة، وكان من الممكن، لو أُديرت موارده بكفاءة ونزاهة، أن يمتلك بنية أساسية متقدمة وخدمات عامة تليق بمواطنيه.

إن ما يشهده العراق من انقطاعات مستمرة للكهرباء، وشح في مياه الشرب النقي، وتلوث للأنهار، وانهيار لشبكات الصرف الصحي، وتراكم للنفايات، وانتشار للأمراض، وتراجع للمساحات الخضراء، ليس سوى تحصيل حاصل لفساد استشرى في مفاصل الدولة، واستنزف مواردها، وأضعف مؤسساتها، وحوّل كثيراً من المشروعات العامة إلى أبواب للهدر والصفقات المشبوهة والربح غير المشروع.

فالفساد ليس ملفاً جانبياً بين ملفات الدولة، بل هو الجذر الذي تفرعت منه أزمات كثيرة. وحين تُسرق الأموال المخصصة لمحطة كهرباء، أو يُهدر تمويل مشروع للمياه، أو تُحال عقود الصرف الصحي إلى جهات غير مؤهلة، فإن النتيجة لا تكون خسارة مالية مجردة، وإنما ظلاماً في بيت، وعطشاً في قرية، وتلوثاً في نهر، ومرضاً يصيب طفلاً، ومستشفى عاجزاً عن أداء مهمته، ومدرسة لا يستطيع طلابها الدراسة في حر الصيف.


الماء: من مصدر للحياة إلى عنوان للأزمة

الماء ليس سلعة ترفيهية، ولا خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، بل هو أساس الحياة والكرامة والصحة العامة. وقد اعترفت الأمم المتحدة بأن الحصول على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي حق من حقوق الإنسان، لا غنى عنه للتمتع بالحق في الحياة والصحة ومستوى معيشي لائق.
ومع ذلك، ما زال كثير من المواطنين في العراق يعانون من ضعف تجهيز المياه، أو انقطاعها، أو عدم صلاحيتها للشرب، فيضطرون إلى شراء المياه على نفقتهم الخاصة، على الرغم من أن الدولة يفترض أن تضمن لهم هذه الخدمة الأساسية.
إن تراجع نوعية المياه لا يمكن فصله عن ضعف الرقابة، وسوء إدارة الموارد المائية، وتهالك الشبكات، وتسرب مياه الصرف الصحي، وتلوث الأنهار بالمخلفات البلدية والصناعية. كما أن استمرار التجاوزات على مصادر المياه، وغياب الصيانة، وتنفيذ مشروعات رديئة، كلها مظاهر تكشف أن المشكلة ليست في قلة الأموال وحدها، بل في طريقة إدارتها وفي غياب المحاسبة.
وحين يفقد المواطن ثقته بمياه الشبكة العامة، فإنه لا يفقد خدمة فقط، بل يفقد ثقته بالدولة ذاتها. فالدولة التي تعجز عن تأمين كوب ماء نظيف لمواطنيها، رغم ما تملكه من موارد، تقف أمام أزمة شرعية وأداء لا يمكن التهوين منها.

الكهرباء: ثروة نفطية وبيوت غارقة في الظلام

تمثل أزمة الكهرباء واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في العراق. فبلد يُعد من كبار منتجي النفط يعاني مواطنوه منذ سنوات طويلة من انقطاع الطاقة، ويلجؤون إلى المولدات الخاصة، ويتحملون تكاليف إضافية تثقل كاهل الأسر، ولا سيما الفقيرة ومحدودة الدخل.
الكهرباء في العصر الحديث ليست مجرد إنارة للمنازل، بل هي أساس لتشغيل المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والصرف الصحي والمصانع ووسائل الاتصال، والتبريد، وحفظ الأدوية والغذاء. ولذلك فإن اضطراب الكهرباء ينعكس على جميع جوانب الحياة.
إن مليارات الدولارات التي أُنفقت على قطاع الكهرباء كان ينبغي أن تؤدي إلى إنشاء منظومة مستقرة وحديثة. لكن استمرار الأزمة يكشف وجود خلل أعمق من الأعطال الفنية. فهناك عقود متعثرة، ومشروعات غير مكتملة، وتضخم في التكاليف، وضعف في الرقابة، وتداخل للمصالح السياسية والاقتصادية، وغياب للمحاسبة الجادة عن الأموال التي صُرفت دون نتائج تتناسب مع حجم الإنفاق.
لقد أصبحت المولدات الأهلية، التي ظهرت في الأصل بوصفها حلاً مؤقتاً، جزءاً دائماً من الحياة اليومية، بل تحولت أحياناً إلى اقتصاد موازٍ يستفيد من بقاء شبكة الكهرباء ضعيفة. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ قد تتشكل مصالح اقتصادية واجتماعية تستفيد من استمرار الأزمة، فتقاوم أي إصلاح حقيقي يهدد أرباحها أو نفوذها.

الخدمات العامة: المواطن يدفع مرتين

يدفع المواطن العراقي الضرائب والرسوم، وتُدار ثروات البلاد باسمه، لكنه يضطر في الوقت نفسه إلى دفع المال للحصول على خدمات يفترض أن توفرها الدولة. فهو يشتري الماء الصالح للشرب، ويدفع اشتراك المولد، ويتحمل تكاليف العلاج الخاص، ويرسل أبناءه إلى التعليم الأهلي، ويدفع لرفع النفايات أو صيانة الطرق القريبة من منزله.
وبذلك يدفع المواطن مرتين: مرة من خلال الثروة العامة التي تُنفق باسمه، ومرة من دخله الشخصي للحصول على الخدمة ذاتها بعد فشل المؤسسات في توفيرها.
هذه الحالة لا تؤدي فقط إلى تراجع مستوى المعيشة، بل تعمق الفوارق الطبقية. فالأغنياء يستطيعون شراء الماء والكهرباء والتعليم والصحة والأحياء النظيفة، بينما يبقى الفقراء أكثر تعرضاً للتلوث والحرمان والأمراض وانقطاع الخدمات.
وهكذا يتحول ضعف الخدمات إلى شكل من أشكال الظلم الاجتماعي، لأن أثره لا يتوزع بالتساوي. فالطفل في أسرة فقيرة لا يملك مولداً أو نظام تبريد، والمريض محدود الدخل لا يستطيع الانتقال إلى مستشفى خاص، والأسرة التي لا تستطيع شراء الماء قد تضطر إلى استخدام مياه غير مأمونة.

انهيار البيئة ليس حادثاً طبيعياً

ما يحدث للبيئة في العراق ليس مجرد نتيجة طبيعية للنمو السكاني أو التغير المناخي، وإن كانت هذه العوامل تزيد من حجم التحديات. إن جزءاً كبيراً من الانهيار البيئي يرتبط بسوء الإدارة، وغياب التخطيط، وضعف تنفيذ القوانين، وانتشار الفساد في منح التراخيص والعقود والمشروعات.
فالهواء الملوث، والأنهار الممتلئة بالنفايات، وحرق المخلفات، وتصريف المياه غير المعالجة، وتجريف البساتين، والاعتداء على الأراضي الزراعية، وتحويل المساحات الخضراء إلى مشروعات تجارية، كلها ممارسات لا تستمر إلا عندما تضعف الدولة ويغيب القانون أو يُطبق بصورة انتقائية.
وحين تتمكن منشأة من تلويث الماء أو الهواء دون مساءلة، فالمشكلة لا تتعلق بالمنشأة وحدها، بل بمن سمح لها، وبمن تغاضى عنها، وبمن عطل الرقابة، وبمن قدّم المصلحة الخاصة على صحة المجتمع.
إن البيئة النظيفة والصحية ليست ترفاً ولا مطلباً جمالياً. إنها مرتبطة مباشرة بالصحة والحياة والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. فالتلوث يرفع معدلات الأمراض، ويزيد الإنفاق الصحي، ويؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي، ويدفع السكان إلى الهجرة من المناطق المتضررة.

الفساد ليس سرقة أموال فقط

من الخطأ اختزال الفساد في صورة مسؤول يتلقى رشوة أو موظف يختلس مبلغاً من المال. فالفساد منظومة أوسع تشمل المحاصصة، والمحسوبية، وبيع الوظائف، وإحالة العقود إلى غير الأكفاء، وتعيين المسؤولين على أساس الولاء، والتلاعب بالمواصفات، وتعطيل أجهزة الرقابة، وحماية الفاسدين، وتسييس القضاء والإدارة.
إن أخطر صور الفساد هي تلك التي تتحول إلى ثقافة عمل وإدارة. فعندما يصبح الحصول على الوظيفة مرتبطاً بالواسطة، والعقد مرتبطاً بالنفوذ، والترقية مرتبطة بالولاء، تتراجع الكفاءة ويُقصى أصحاب الخبرة والنزاهة.
وعندما يتولى غير المؤهلين إدارة مؤسسات الماء والكهرباء والصحة والبيئة، فإن انهيار الخدمات يصبح نتيجة متوقعة. فالفساد لا يسرق المال فقط، بل يطرد الكفاءة، ويقتل المبادرة، ويكافئ الرداءة، ويحول المؤسسة العامة إلى ساحة لتقاسم النفوذ.

الأثر الاجتماعي: تفكك الثقة وتصاعد الغضب

إن استمرار ضعف الخدمات يغيّر علاقة المواطن بالدولة. فالدولة في الوعي الاجتماعي ليست خطباً وشعارات، بل مدرسة ومستشفى وطريق وماء، وكهرباء وأمن وعدالة. وحين تغيب هذه العناصر، تتآكل الثقة العامة، ويشعر المواطن أن الدولة لا تمثله ولا تحمي حقوقه.
ويولد هذا الشعور حالة من الغضب والإحباط، ولا سيما لدى الشباب الذين يرون ثروات بلادهم الهائلة مقابل قلة فرص العمل وتردي مستوى الحياة. ومع مرور الزمن، قد يتحول الإحباط إلى احتجاج، أو عزوف عن المشاركة العامة، أو رغبة في الهجرة، أو فقدان للانتماء والثقة بالمستقبل.
ولا يمكن مطالبة المواطن باحترام الدولة بينما يرى أن أموالها تُهدر، وأن الخدمات تتراجع، وأن المسؤول المقصر لا يُحاسب، وأن القانون لا يطبق بالتساوي. فالثقة لا تُبنى بالدعاية، بل بالعدالة والإنجاز والشفافية.
الأثر الثقافي: حين يصبح الفساد أمراً عادياً
من أخطر آثار الفساد أنه لا يكتفي بتدمير الاقتصاد والمؤسسات، بل يتسلل إلى الثقافة الاجتماعية. فعندما يرى الناس أن الفاسد يزداد ثراءً ونفوذاً، وأن النزيه يُهمش، قد تنشأ قناعة خطيرة بأن النجاح لا يتحقق بالعلم والعمل، بل بالواسطة والاحتيال والارتباط بأصحاب النفوذ.
ومع الوقت، قد تتحول الرشوة من جريمة مستنكرة إلى وسيلة عادية لإنجاز المعاملات، ويصبح تجاوز القانون مهارة، ويُنظر إلى المال العام كأنه مال بلا صاحب. وهذه أخطر مراحل الانهيار، لأن الفساد عندئذ لا يبقى في مؤسسات الدولة، بل ينتقل إلى سلوك المجتمع ولغته وتوقعاته.
ومع ذلك، يجب عدم تحميل المواطن البسيط مسؤولية منظومة فُرضت عليه. فالإنسان الذي يدفع رشوة للحصول على علاج أو وثيقة قد يكون ضحية لنظام معطل. المسؤولية الأساسية تقع على من صمموا هذه البيئة، أو استفادوا منها، أو امتنعوا عن إصلاحها.

سرقة المال العام اعتداء على حقوق الإنسان

إن سرقة مليارات الدولارات من أموال العراق لا تمثل اعتداءً على خزينة الدولة فحسب، بل اعتداءً مباشراً على حقوق الإنسان وكرامته؛ لأن هذه الأموال كان ينبغي أن تتحول إلى ماء صالح للشرب، وكهرباء مستقرة، ومدارس ومستشفيات، وشبكات صرف صحي، وطرق وبيئة نظيفة وفرص عمل.
وحين تُسرق أموال مشروع للمياه، فإن الفساد يسلب الإنسان حقه في الماء. وحين تُهدر أموال الكهرباء، فإنه يسلب المريض حقه في العلاج، والطالب حقه في التعليم، والعامل حقه في الإنتاج. وحين تتعطل مشروعات الصرف الصحي، فإنه يعرض صحة المجتمع للخطر.
ومن ثم، فالفساد الكبير ليس مجرد مخالفة إدارية أو مالية، بل جريمة ذات آثار اجتماعية وصحية وبيئية وإنسانية واسعة. وقد تكون نتائجها أشد خطورة من بعض الجرائم المباشرة، لأنها تصيب ملايين الأشخاص وتستمر آثارها سنوات طويلة.

التحذير من تطبيع الفشل

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد المجتمع الأزمة، فيصبح انقطاع الكهرباء أمراً عادياً، وشراء الماء ضرورة طبيعية، وانتشار النفايات مشهداً مألوفاً، وغرق الشوارع بمياه الأمطار حدثاً متوقعاً، وتلوث الأنهار خبراً عابراً.
تطبيع الفشل يعني خفض سقف التوقعات، وإقناع المواطن بأن حصوله على أبسط الحقوق إنجاز استثنائي يستحق الامتنان، مع أن هذه الحقوق من صميم واجبات الدولة.
كما أن الاعتياد على الفساد يمنح الفاسدين شعوراً بالأمان، لأنهم يدركون أن المجتمع أصبح متعباً أو يائساً أو منشغلاً بتأمين احتياجاته اليومية. لذلك فإن إبقاء الناس في دوامة البحث عن الماء والكهرباء والعمل قد يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إضعاف قدرتهم على المطالبة بالإصلاح والمحاسبة.

لا إصلاح للخدمات من دون إصلاح الحكم

لا يمكن معالجة أزمة الماء بإنشاء محطة واحدة، ولا أزمة الكهرباء بالتعاقد على وحدات جديدة فقط، ولا أزمة النفايات بشراء آليات إضافية، ما لم تُعالج بنية الفساد التي تلتهم المشروعات قبل إنجازها.
الإصلاح الحقيقي يتطلب شفافية كاملة في العقود، ونشر تكاليف المشروعات ومدد تنفيذها، واختيار الشركات وفق الكفاءة، ومنع تضارب المصالح، وإخضاع المسؤولين للمساءلة، وتعزيز استقلال أجهزة الرقابة والقضاء.
كما يتطلب إشراك الجامعات والنقابات والمنظمات المهنية والمجتمع المدني في مراقبة المشروعات الكبرى، وتمكين الصحافة من الوصول إلى المعلومات، وحماية المبلغين عن الفساد والشهود والخبراء الذين يكشفون أوجه الخلل.
ولا بد أيضاً من إعادة الاعتبار للكفاءة المهنية في مؤسسات الدولة. فإدارة قطاعات معقدة مثل الماء والكهرباء والبيئة تحتاج إلى متخصصين مستقلين يمتلكون الخبرة والصلاحيات، لا إلى إدارات تتغير وفق التوازنات السياسية والحزبية.

المحاسبة العادلة واسترداد الأموال

كل من تثبت مسؤوليته عن نهب المال العام أو تهريبه أو تسهيل الاستيلاء عليه يجب أن يخضع لمحاكمة عادلة ونزيهة ومستقلة، وأن تطبق بحقه العقوبات التي يجيزها القانون والمتناسبة مع جسامة الجريمة.
ولا تكفي معاقبة بعض الموظفين الصغار أو تقديم قضايا محدودة للرأي العام، بينما يبقى كبار المستفيدين بعيدين عن المساءلة. فمكافحة الفساد الانتقائية قد تتحول إلى وسيلة لتصفية الخصوم بدلاً من بناء العدالة.
كما لا ينبغي أن تقتصر المعالجة على السجن أو الغرامة؛ بل يجب استرداد الأموال والأصول المنهوبة، وتتبعها داخل العراق وخارجه، ومنع المتورطين من الاستفادة من عائداتها، ومراجعة العقود المشبوهة، وإلزام المسؤولين بالكشف عن الذمم المالية ومصادر الثروة.
إن استرداد المال العام ليس انتقاماً، بل إعادة لحقوق المواطنين. فكل مبلغ مسترد يمكن أن يتحول إلى مدرسة أو مستشفى أو محطة ماء أو شبكة كهرباء.

مسؤولية المجتمع والنخب

مكافحة الفساد ليست مسؤولية الحكومة والقضاء وحدهما، بل هي مسؤولية اجتماعية وثقافية. فعلى الجامعات والمثقفين ورجال الدين ووسائل الإعلام والنقابات أن يرسخوا ثقافة احترام المال العام ورفض الواسطة والمحسوبية، وأن يوضحوا أن الصمت عن الفساد مشاركة في استمرار نتائجه.
كما يجب أن يتجاوز الخطاب العام الانقسام الطائفي والحزبي والمناطقي، لأن الماء الملوث لا يميز بين طائفة وأخرى، وانقطاع الكهرباء يضر الجميع، والفساد حين ينهب أموال الدولة يسرق حقوق الشعب كله.
إن الدفاع عن الفاسد لأنه ينتمي إلى حزب أو مذهب أو عشيرة يمثل مشاركة أخلاقية في الجريمة، لأن الولاء الحقيقي يجب أن يكون للوطن والعدالة وحقوق المواطنين.
وعليه فإنه يمكن القول، إن الماء والكهرباء والصرف الصحي والنظافة والبيئة والصحة والتعليم ليست خدمات هامشية، بل هي المعنى الحقيقي لوجود الدولة وشرعية مؤسساتها. وعندما تتدهور هذه الخدمات في بلد غني مثل العراق، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا لا توجد موارد؟ بل: أين ذهبت الموارد، ومن استولى عليها، ولماذا لم يُحاسب؟
إن انهيار البيئة وتردي الماء والكهرباء وانتشار النفايات والبطالة والفقر ليست أزمات منفصلة، بل حلقات مترابطة في سلسلة واحدة، تبدأ بالفساد وسوء الإدارة، وتنتهي بانتهاك كرامة المواطن وإضعاف المجتمع والدولة.
والتحذير الواجب اليوم هو أن استمرار هذه الأوضاع لا يعني بقاء الخدمات متردية فقط، بل يهدد السلم الاجتماعي والثقة بالدولة والانتماء الوطني ومستقبل الأجيال القادمة.
لا يمكن بناء دولة محترمة فوق مؤسسات منهوبة، ولا يمكن حماية حقوق الإنسان في ظل فساد محمي، ولا يمكن تحقيق التنمية دون مساءلة حقيقية. إن حماية المال العام هي حماية للماء والكهرباء والصحة والتعليم والبيئة، ومكافحة الفساد ليست شعاراً سياسياً، بل معركة من أجل حياة العراقيين، وكرامتهم، ومستقبل وطنهم.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93837