3 يونيو، 2026 - 2:55 صباحًا
مقالات وآراء

العراق في قلب العاصفة: حين تتحول صراعات الإقليم إلى قدر جغرافي

لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد توتر سياسي عابر، بل يقف اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة. فالتصعيد المتبادل بين القوى الإقليمية والدولية لم يعد يقتصر على حرب التصريحات أو المناوشات المحدودة، بل بات يحمل مؤشرات واضحة على انتقال الصراع إلى مستويات أكثر خطورة. وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف إيران بوصفها أحد أبرز اللاعبين الإقليميين تحت قيادة المرشد الأعلى علي خامنئي، في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متزايدة.

لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: إلى أين يتجه الصراع؟ بل: من سيدفع ثمنه؟

الواقع يقول إن الدول الواقعة في خطوط التماس الجيوسياسي ستكون أول المتأثرين بأي تصعيد، وفي مقدمة هذه الدول يأتي العراق. فموقعه الجغرافي، وتركيبته السياسية، وتشابك علاقاته الإقليمية، كلها عوامل تجعل منه ساحة حساسة لأي صراع يدور بين القوى الكبرى في المنطقة.

خلال السنوات الماضية، تحوّل الشرق الأوسط إلى مسرح لما يمكن وصفه بـ”حرب الظل”، وهي مواجهة غير مباشرة تقوم على الضربات المحدودة والرسائل العسكرية المتبادلة. وقد لعبت القوى الكبرى دوراً محورياً في إدارة هذا الصراع، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تنظر إلى النفوذ الإيراني المتصاعد بوصفه تحدياً استراتيجياً في المنطقة.

لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود هذا الصراع، بل في المكان الذي يدور فيه. فغالباً ما تُدار هذه المواجهات فوق أراضي دول تعاني أصلاً من هشاشة سياسية وأمنية، وهو ما يجعلها تدفع كلفة صراعات ليست طرفاً رئيسياً فيها. وهنا يظهر العراق بوصفه المثال الأكثر وضوحاً على هذه المعادلة المعقدة.

فالعراق اليوم يقف في نقطة توازن دقيقة بين علاقاته مع إيران من جهة، وشراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من جهة أخرى. وهذا التوازن الهش يجعل أي تصعيد كبير بين الطرفين خطراً مباشراً على الاستقرار الداخلي العراقي.

إن أخطر ما في الصراعات الإقليمية ليس فقط حجم القوة المستخدمة فيها، بل طبيعة الجغرافيا التي تجري فوقها. والعراق، بحكم موقعه، يجد نفسه مرة أخرى في قلب لعبة التوازنات الكبرى. فكلما تصاعد التوتر بين طهران وخصومها، يصبح العراق أقرب إلى أن يكون ساحة للرسائل العسكرية والسياسية المتبادلة.

ولا يخفى على أحد أن العراق دفع خلال العقود الماضية أثماناً باهظة نتيجة تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. فمن الحروب المباشرة إلى العقوبات الاقتصادية إلى الصراعات الداخلية، ظل هذا البلد يدور في فلك صراعات أكبر من قدرته على الاحتمال.

اليوم، يبدو المشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه بطريقة مختلفة. فالتصعيد بين إيران وخصومها يضع العراق مرة أخرى أمام تحدٍ مصيري: كيف يمكنه حماية استقراره الداخلي دون أن يتحول إلى طرف في صراع إقليمي مفتوح؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من إدراك حقيقة أساسية مفادها أن مصلحة العراق يجب أن تبقى فوق أي اعتبارات أخرى. فالدولة التي خرجت بصعوبة من دوامة الحروب والإرهاب لا يمكنها تحمل جولة جديدة من الصراعات بالوكالة.

في المقابل، تدرك القوى الدولية الكبرى مثل روسيا والصين أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط لن يكون مجرد أزمة إقليمية، بل سيترك تأثيرات عميقة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. ولهذا تسعى هذه القوى غالباً إلى منع الانزلاق نحو حرب شاملة، حتى وإن استمرت المواجهات المحدودة.

غير أن المشكلة في الشرق الأوسط أن الأزمات فيه نادراً ما تبقى محدودة لفترة طويلة. فالتاريخ القريب يثبت أن شرارة صغيرة قد تتحول بسرعة إلى حريق واسع يصعب احتواؤه.

ومن هنا، فإن مستقبل العراق في ظل هذه التوترات يعتمد إلى حد كبير على قدرته في الحفاظ على سياسة التوازن والحياد الإيجابي. فالعراق ليس بحاجة إلى الانخراط في صراعات الآخرين، بل إلى بناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها الوطنية بعيداً عن الاستقطابات الحادة.

في النهاية، قد لا يكون العراق قادراً على تغيير مسار الصراع في المنطقة، لكنه بالتأكيد قادر على تحديد موقعه منه. فإما أن يبقى ساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين، أو أن يتحول إلى دولة تمتلك قرارها السيادي وتفرض احترام مصالحها على الجميع.

والتاريخ يعلمنا أن الدول التي لا تحدد موقعها بوضوح في لحظات التحولات الكبرى، غالباً ما تجد نفسها لاحقاً تدفع ثمن قرارات لم تتخذها أصلاً

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=89861

موضوعات ذات صلة

رامي الشاعر يكتب.. اعتراف وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن وأزمة البيت الأبيض

admin

الدكتور أولي هاينونين في مؤتمر المقاومة الإیرانیة‌: من المرجح أن إيران تمتلك يورانيوم غير معلن وهذا أمر خطير

admin

نتنياهو يخاطب نتنياهو في الكونغرس المتصهين

admin

ربيع طليس يكتب.. حنق اليسار الراديكالي والإسلام السياسي إزاء المملكة والعالم !

admin

الساحل والصحراء.. منطقة عبث بها العسكر وتريد إيران دفنها

admin

فرصة 48 ساعة للقيادة والتنظيمات الفلسطينية وإلا فلا تأثير فعلي لقرار مجلس الأمن على الأرض

admin