الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي
رغم اني لست متخصص محترف بالشؤون العسكرية لكني حاضرت لسنوات طويلة في كليات الحرب والدفاع الوطني وكلية القيادة ووو لذلك أثارت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت قادة الصف الأول من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة مساء التاسع من أيلول/سبتمبر 2025 عاصفة من الأسئلة السياسية والعسكرية والأمنية في نفسي ولم استطع ان امنع نفسي من كتابة هذا المقال الذي حاولت فيه تحليل العدوان من زوايا اخرى ذلك ان وقع الضربة لم يكن مقصورًا على حجم الخسائر المباشرة، بل على الأبعاد الاستراتيجية المرتبطة بمرور الطائرات الإسرائيلية عبر أجواء المنطقة، وغياب او تواطؤ الإنذار الفعّال من القاعدة الأمريكية في قطر، مقابل تحذير مبكر جاء من تركيا لقادة الحركة.!؟!؟ومن وجهة نظرنا فككنا العدوان من زواياه المختلفة التالية :
أولاً: قاعدة العديد الأمريكية وصمت الرادارات
حيث تحتضن قطر قاعدة العديد الجوية التي تعد أكبر وأهم قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وتضم منظومات متطورة للإنذار المبكر والدفاع الجوي مرتبطة مباشرة بالقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).لذلك ومن الناحية التقنية، يصعب تصور مرور 15 طائرة إسرائيلية دون أن ترصدها هذه الأنظمة.
هذا الصمت يفتح الباب أمام عدة احتمالات خطيرة ومهمة للغاية أبرزها:
1-علم أمريكي مسبق بالعملية والتزام الصمت تجنبًا للتصادم مع إسرائيل.
2-استخدام طائرات F-35 الإسرائيلية بقدرات التخفي، بما يجعل رصدها أصعب وإن لم يكن مستحيلاً أمام الرادارات الأمريكية.
3-قرار سياسي بالامتناع عن التحذير، حيث أُقرّ لاحقًا بأن البيت الأبيض أُبلغ بالعملية في وقت متأخر جدًا، أي بعد أن أقلعت الطائرات بالفعل.
ثانياً: التنبيه التركي
في المقابل تؤكد مصادر متعددة أن تركيا رصدت الطائرات مبكرًا عبر شبكة راداراتها المتصلة بمنظومة الناتو، إضافة إلى منشآت الإنذار المبكر العاملة في قطر. سارعت أنقرة إلى إيصال التحذير لقادة حماس، وهو ما أتاح لهم فرصة الاستعداد والإخلاء، بينما جاء الصمت من الجانب الأمريكي مع صعوبة التصور او التصديق (اقلها بالنسبة لنا )ان الاسرائليين لم يأخذوا بعين الاعتبار احتمال ان تركيا اردوغان العضو الفعال بالناتو ممكن ان تدخل على الخط وتفشل العدوان بحكم الصلات العقائدية التي تربطها مع حماس!
هذه المفارقة جعلت تركيا تظهر بمظهر الضامن الأمني اليقظ في مقابل الحليف الأمريكي الذي آثر التجاهل أو التواطؤ بالصمت.
ثالثاً: البعد السياسي
يتجاوز الأمر الأبعاد التقنية ليضع الولايات المتحدة وقطر في موقف محرج:
1-قطر تستضيف أكبر قاعدة أمريكية لكنها لم تتلقّ التحذير من واشنطن بل من أنقرة.
2-البيت الأبيض أعلن أن الضربة “لا تخدم مصالح أمريكا أو إسرائيل”، لكنه أقرّ في الوقت ذاته بتلقي إخطار متأخر.
3-إسرائيل استفادت من هذا الغموض لتنفّذ عملية عسكرية غير مسبوقة داخل دولة حليفة لواشنطن.
رابعا :الدلالات الاستراتيجية
1.تراجع الثقة بواشنطن كضامن أمني لحلفائها في الخليج العربي
2.صعود الدور التركي كلاعب أمني بديل، يوظف أدوات الناتو لمراقبة المنطقة.
3.ربما تؤشر هذه العملية وجود تصدّع بصورة التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي، حيث بدا أن البيت الأبيض لم يملك السيطرة الكاملة على القرار العسكري الإسرائيلي.
4.تصعيد المخاطر على الوساطة القطرية وتصدع موقفها وأضعافه في ملف غزة، بعد أن تم استهداف قادة حماس على أراضيها.
خامسا:البُعد السياسي الاستراتيجي للغارة الإسرائيلية على قطر
من جانب آخر قد تستثمر الغارة الإسرائيلية على الدوحة من قبل قطر لتعزيز موقفها السياسي والدبلوماسي عبر تأكيد نفسها بأنها تقف على مسافة واحدة من أطراف النزاع وتأكيد عدم تواطؤها مع أي جهة، سواء إسرائيل أو الولايات المتحدة، في استهداف قيادات حماس. إن هذا التحرك قد يوفر للدوحة غطاءً إعلاميًا يساهم في تبييض صورتها الدولية وتقوية دورها كوسيط نزيه في جهود الوساطة الفلسطينية–الإسرائيلية.
في الوقت نفسه، تكشف العملية عن الضغوط الأمريكية المستمرة على قطر لإعادة ترتيب علاقة الحركة على أراضيها، خصوصًا أن قيادات حماس قد أصبحت عبئًا دبلوماسيًا يفرض قيودًا على التحرك القطري. الغارة توفر فرصة للدوحة لإعادة تقييم وجود هذه القيادات، وتقليل الأعباء السياسية المتعلقة بها، من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع أي طرف، بينما تحافظ على صورتها كداعم للحلول السياسية. بهذا المعنى، العملية الإسرائيلية ليست مجرد حادثة عسكرية، بل تُشكّل فرصة قطرية لإعادة ضبط موقعها الإقليمي وتحسين موقفها أمام واشنطن، دون الإقرار بأي مشاركة أو تواطؤ رسمي.
اخيرا واضح ان الغارة على الدوحة لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة؛ بل كشفت فجوة عميقة في منظومة التحالفات الإقليمية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي والمدعومة ماديا منها إذا كانت عاجزة – أو متواطئة بالصمت – عن كشف طائرات حليفتها إسرائيل. في المقابل، جاء التحذير التركي ليمنح أنقرة ورقة قوة جديدة في معادلة الأمن الإقليمي.
إن ما جرى في الدوحة سيظل علامة فارقة في ميزان القوى بالشرق الأوسط، ليس بسبب نتائج الضربة فقط، بل بسبب رسائل الصمت والكشف التي رافقتها وربما ستكشف الايام القادمة جوانب واسرار قد تغير كثير من قواعد اللعبة في المنطقة !
