3 يونيو، 2026 - 10:39 صباحًا
مقالات وآراء

انتصارات تُعلن وخراب يُعاش.. بقلم/ د. فالح الشبلي

فالح الشبلي

ليست هذه المرة الأولى التي يُرفع فيها شعار “الانتصار”، بينما الأرض تروي قصة مختلفة تمامًا.
من عيترون في قضاء بنت جبيل، يتكرر المشهد الذي بات مألوفًا حدّ الألم: دمار يلتهم المكان، وواقع يزداد قسوة، وخطاب يصرّ على تسميته “نصرًا”. المشكلة لم تعد في توصيف الحدث، بل في الفجوة العميقة بين ما يُقال وما يحدث فعليًّا.
فكل جولة تبدأ بشعارات كبرى: مقاومة، كرامة، تحرير؛ لكنها تنتهي بنتائج ملموسة لا تقبل التأويل: بنية تحتية مدمّرة، مجتمع مثقل بالخسائر، ومستقبل أكثر غموضًا.
ما يحدث ليس صدفة، بل هو نمط متكرر. نمط يُدار ضمن حسابات تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية، وتُسخَّر فيه الأرض والناس لخدمة مشاريع أكبر من قدرتهم على الاحتمال. وفي كل مرة، تُعلن “الانتصارات” في الإعلام، بينما تُدفن الخسائر في تفاصيل الحياة اليومية. الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يمرّ دون تحذيرات.
كثير من المفكرين قرؤوا هذه الأحداث مبكرًا، وحذّروا من نتائجها، لكن أصواتهم وُوجهت بالتشكيك أو التجاهل، ليس لأنهم أخطؤوا، بل لأن الوعي الجمعي غالبًا ما يتأخر عن اللحظة الحرجة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، إنها ليست في غياب الحقيقة، بل في تأخر تصديقها. في بداية كل حدث تبدو التحذيرات مبالغًا فيها، أو غير منسجمة مع الحماسة العامة، لكن مع مرور الوقت، تتكشف الصورة، ويصبح ما قيل سابقًا أقرب إلى توصيف دقيق لا إلى رأي، غير أن المشكلة أن هذا الإدراك يأتي دائمًا متأخرًا، بعد أن تكون الكلفة قد دُفعت كاملة.
إن أخطر ما في هذه الدورات المتكررة أنها تُعيد إنتاج نفسها، مستفيدة من نفس الثغرة:
فجوة الإدراك بين الحدث ونتيجته؛ وهكذا، لا تُرفض الأخطاء في بدايتها، لأنها لا تُرى بوضوح، ولا تُفهم في منتصفها، لأنها تُغطّى بالشعارات، ولا تُدان في نهايتها؛ لأن الوقت يكون قد مضى.
في النهاية لا يبقى إلا الواقع، واقع لا يمكن تجميله بالخطابات، ولا تغييره بالشعارات المتأخرة، وهنا لا تبدو الحكمة الشعبية مجرد قول عابر، بل خلاصة تجربة سياسية قاسية:
“إذا فات الفوت .… فما ينفع الصوت.”
المشكلة ليست في تكرار الأحداث، بل في تكرار تأخر الوعي، حيث تُعلن الانتصارات سريعًا، بينما لا يُفهم حجم الخسارة إلا بعد فوات الأوان.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=90787

موضوعات ذات صلة

بيان الشجاعة.. بقلم: د. رياض الدليمي

admin

الدكتور عبدالكريم الوزان يكتب.. الجحش والنعناع

admin

المغرب بلد الشرفاء لا مكان للعاقين فيه.. بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي

admin

الدكتور عبدالكريم الوزان يكتب.. «من حل دينه نامت عينه»!!

admin

د. أبو خليل الخفاف يكتب.. أن الشعوب السامية والثقافات السامية براء من الصهيونية العالمية

admin

خالد قرة غولي يكتب: ماذا بقي لنا في العراق

admin