لم تعد المسألة متعلقة بإيران باعتبارها دولة بقدر ما أصبحت متعلقة بطبيعة الدور الذي اختارت أن تلعبه في الإقليم لعقود طويلة. فالدول لا تُدان بهويتها، بل بخياراتها الاستراتيجية، وإيران ـ كما يعرف الجميع ـ لم تكن يومًا خارج المعادلة، لكنها كانت، في كثير من الأحيان، جزءًا من معادلة التوتر لا الاستقرار.
على مدى سنوات بُنيت السياسة الإيرانية على فكرة “تصدير النفوذ” أكثر من بناء الداخل. تم الاستثمار في أدوات غير تقليدية، وتوسيع دوائر التأثير عبر مسارات أمنية وعسكرية، بدلًا من المسارات الاقتصادية والتنموية. هذا الخيار لم يكن بلا كلفة؛ فقد أنتج حالة من الاستنزاف المستمر، داخليًّا وخارجيًّا، وخلق فجوة بين الدولة ومحيطها، بل كذلك بين الدولة ومجتمعها.
لكن ما نشهده اليوم ليس مجرد ضغط خارجي، بل هو تراكم داخلي أيضًا. فالدول لا تصل إلى لحظات التحول الكبرى بسبب عامل واحد، بل نتيجة تداخل عوامل: اقتصاد مُرهق، ومجتمع متغير، ونخبة سياسية تجد نفسها أمام خيارات تضيق يومًا بعد يوم. في مثل هذه اللحظات تبدأ الأسئلة الحقيقية بالظهور: هل يمكن الاستمرار في النهج ذاته؟ وهل الكلفة ما زالت محتملة؟ التاريخ يخبرنا بأن الأنظمة التي تبني نفوذها خارج حدودها قبل تثبيت توازنها الداخلي، تصل ـ عاجلًا أم آجلًا ـ إلى نقطة مراجعة قسرية. وقد رأينا نماذج متعددة، حيث تحولت دول من أدوات صراع إلى شركاء في الاستقرار، ليس بدافع المثالية، بل بدافع الضرورة؛ فالدول لا تغيّر سلوكها حين تقتنع بل حين تُستنزف.
إن الحديث عن “نهاية إيران الإرهاب” لا يجب أن يُفهم بوصفه شعارًا، بل كاحتمال سياسي مشروط. فالنهايات في عالم السياسة لا تُفرض من الخارج فقط، بل تُصنع من الداخل حين تتغير أولويات البقاء. وعندما يصبح الحفاظ على الدولة مرهونًا بتغيير سلوكها، تبدأ التحولاتو ببطء أحيانًا، وبشكل مفاجئ أحيانًا أخرى.
في المقابل، فإن “بداية إيران السلام” ليست حدثًا لحظيًّا، بل مسارًا معقدًا.
يتطلب إعادة تعريف العلاقة مع الجوار، وإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من منطق المواجهة إلى منطق المصالح.
وهذا الانتقال لا يعني التخلي عن القوة، بل إعادة توظيفها ضمن إطار الدولة لا خارجها.
السؤال الأهم هنا ليس: هل يمكن أن تتغير إيران؟ بل: متى يصبح التغيير الخيار الأقل كلفة؟
في لحظات التحول الكبرى، لا تبحث الدول عن المثاليات، بل عن النجاة الذكية. وإذا كانت طهران تقف اليوم على مفترق طرق حقيقي، فإن الخيار لم يعد بين القوة والضعف، بل بين شكلين مختلفين من القوة: قوة تفرض نفسها عبر التوتر، وأخرى تفرض نفسها عبر الاستقرار.
الدول لا تسقط حين تُهزم بل حين تُصرّ على خوض المعركة خطأً.
وفي هذا الفرق ـ تحديدًا ـ تُكتب نهاية مرحلة وتبدأ أخرى.
▪ الخلاصة:
حين يصبح التغيير ضرورة لا خيارًا التاريخ لا يتوقف عند دولة، لكنه يمنح الفرص لمن يقرؤه جيدًا.
وإيران ـ مثل غيرها من الدول ـ ستصل إلى لحظة تدرك فيها أن القوة الحقيقية ليست في إدارة الأزمات، بل في الخروج منها.
نهاية “إيران الإرهاب” ليست قرارًا خارجيًّا يُفرض، بل لحظة داخلية تُفرض عندما يصبح البقاء مرهونًا بالتغيير.
أما “إيران السلام” فليست وعدًا سياسيًّا، بل هي مسار طويل يبدأ من قرار واحد: أن تكون الدولة أولًا قبل أي شيء آخر. كيف ستكون إيران حين تختار أن تكون دولة؟ وإذا كان هذا التحول ممكنًا فإن السؤال لم يعد نظريًّا، بل عمليًّا، وهو: كيف ستبدو إيران بعده؟
حينها لن تكون إيران في حاجة لإثبات حضورها عبر التوتر، بل عبر قدرتها على بناء التوازن.
أول ملامح هذا التحول ستظهر في علاقات حسن الجوار، حيث تنتقل من منطق إدارة النفوذ إلى منطق بناء الثقة. فالدولة التي تعيد ضبط سلوكها الإقليمي، تكتشف أن الاستقرار ليس تنازلًا، بل هو استثمار طويل الأمد في الأمن والاقتصاد معًا.
وفي هذا السياق، ستبدأ إعادة فتح قنوات العلاقات مع العالم، ليس بوصفها خطوة تكتيكية، بل هذا خيار استراتيجي.
إيران التي تخرج من عزلتها، تمتلك من المقومات ما يجعلها لاعبًا اقتصاديًّا مهمًّا: فلها موقع جغرافي محوري، وموارد طبيعية ضخمة، وسوق داخلي واسع.
أما على المستوى الداخلي، فإن التحول الحقيقي سيقاس بقدرة الدولة على الانتقال نحو تطور حضاري متوازن، حيث تُعاد الأولوية للتعليم، والبحث العلمي، والتنمية البشرية. فالدول لا تُقاس بما تملكه من أدوات ضغط، بل بما تبنيه من إنسان قادر على الإنتاج. وسينعكس ذلك بطبيعة الحال على القطاع الصناعي، حيث يمكن لإيران ـ إذا ما أعادت توجيه مواردها ـ أن تتحول إلى قوة صناعية إقليمية حقيقية، مستفيدة من بنيتها التحتية، وطاقاتها البشرية، وموقعها الذي يربط بين آسيا وأوروبا. ولعل من أبرز التحولات التي قد تفاجئ العالم ما سيكون في قطاع السياحة.
إيران ليست مجرد دولة سياسية، بل حضارة ممتدة عبر آلاف السنين: مدن تاريخية، مواقع أثرية، تنوع ثقافي، طبيعة جغرافية غنية. وحين تُفتح الأبواب، وتُرفع القيود، سيكتشف العالم وجهًا آخر لإيران، وجهًا لم يُتح له أن يُرى كاملًا.
لكن كل ذلك يبقى مشروطًا بعامل واحد: أن تتحرر الدولة من منطق إدارة الأزمات، إلى منطق بناء المستقبل. فالدول لا تتغير بالشعارات، بل بإعادة ترتيب أولوياتها.
وإيران ـ إن اختارت هذا الطريق ـ ستتحول إلى دولة “مثالية”
نهاية إيران الإرهاب وبداية إيران جديدة عنوانها السلام.. بقلم/ د. فالح الشبلي
📎 رابط مختصر للمقال:
https://alarabportal.com/?p=90646
