في ظل دخول العراق مرحلة سياسية جديدة بعد تشكيل الحكومة، تتزايد التحديات التي تواجه السلطة التنفيذية، وسط ملفات معقدة تتعلق بحصر السلاح، والأزمات الاقتصادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فضلاً عن الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بالصراع الأميركي ـ الإيراني وانعكاساته على الداخل العراقي.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون العراقية الدكتور غازي فيصل، في حوار مع (باسنيوز)، إن “الحكومة العراقية الجديدة ستكون أمام مسؤوليات تاريخية تتطلب الانتقال من مرحلة التبعية والانقسامات إلى مرحلة بناء الدولة المستقلة القادرة على فرض القانون وتحقيق التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية”، مؤكداً أن “نجاح الحكومة مرهون بقدرتها على حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سلطة رئيس الوزراء والمؤسسات الأمنية الرسمية”.
وأوضح فيصل أن “العراق يواجه اليوم أزمات متراكمة ومعقدة، تبدأ من الديون الداخلية والخارجية التي تجاوزت 140 مليار دولار، مروراً بأزمات الفقر والبطالة والبيئة وانتشار المدن العشوائية، وصولاً إلى وجود مشاريع وعقود متلكئة لم تُنجز رغم تخصيص الأموال لها منذ سنوات”، مشيراً إلى أن “الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بمعالجة هذه الملفات ضمن رؤية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة”.
وأضاف أن “ملف الأمن الوطني يُعد من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية، خصوصاً بعد تداعيات الحرب الأميركية ـ الإيرانية وانعكاساتها على العراق ومنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي”، لافتاً إلى أن “مشاركة بعض الفصائل المسلحة في استهداف دول عربية مثل السعودية والأردن والكويت والبحرين خلقت تحديات خطيرة تتعلق بعلاقات العراق الإقليمية وأمن المنطقة”.
وبيّن فيصل أن “الحكومة الجديدة مطالبة بإعادة صياغة العلاقات العراقية ـ الأميركية ضمن إطار التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، بالتوازي مع تحقيق التوازن في علاقات العراق مع الدول العربية وتركيا وإيران”، مؤكداً أن “العراق يحتاج أيضاً إلى بناء علاقات مستقرة ومتوازنة مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي بعيداً عن سياسة المحاور”.
وشدد على “ضرورة مواجهة النفوذ الإيراني العسكري والسياسي والاقتصادي داخل العراق، وما يرتبط به من ملفات التهريب والجريمة المنظمة والشركات الوهمية”، معتبراً أن “حماية السيادة العراقية تتطلب انتقال العلاقة مع إيران إلى إطار دولة مع دولة وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، بعيداً عن التدخل في الشؤون الداخلية”.
وفيما يتعلق بملف الفصائل المسلحة، أوضح فيصل أن “هذه الفصائل ليست كتلة واحدة، بل تضم عشرات التشكيلات المختلفة، بينها 30 فصيلاً مرتبطاً بالحشد الشعبي، و34 فصيلاً يمتلك ارتباطات مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، منها 7 فصائل مصنفة كمنظمات إرهابية أجنبية تحت قيادة فيلق القدس والحرس الثوري”.
وأشار إلى أن “معالجة هذا الملف تعتمد بدرجة كبيرة على مآلات الصراع الأميركي ـ الإيراني، إذ إن أي تسوية دولية قد تفتح الباب أمام حلول تدريجية تتضمن تسليم السلاح ودمج بعض العناصر ضمن مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية”، مبيناً أن “تفكيك البنى العسكرية غير الرسمية، بما فيها 12 قاعدة عسكرية ومعسكرات السلاح ومصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة، يمثل خطوة أساسية لبناء دولة مستقرة قادرة على فرض سيادتها الكاملة”.
وفي الجانب الاقتصادي، دعا فيصل إلى “إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي والانتقال من الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي واستثماري متنوع على غرار تجارب دول الخليج”، موضحاً أن “أكثر من 90 بالمئة من موارد الدولة ما تزال مرتبطة بعائدات النفط، ما يجعل الاقتصاد العراقي هشاً أمام تقلبات أسعار الطاقة”.
وأضاف أن “الجزء الأكبر من الموازنة التشغيلية يذهب إلى الرواتب والإنفاق التشغيلي نتيجة تضخم الجهاز الإداري خلال السنوات الماضية، في حين يفترض أن يوجَّه الجزء الأكبر من الإنفاق نحو الاستثمار والمشاريع التنموية”، مؤكداً أن “الاستثمار المحلي والأجنبي يمثل الحل الحقيقي لتوفير فرص العمل وتقليل معدلات البطالة”.
ولفت إلى أن “العراق يمتلك ثروات طبيعية ومعدنية هائلة تُقدّر بنحو 15 تريليون دولار، ويمكن أن تجعله بيئة اقتصادية واعدة إذا توفرت الإدارة الرشيدة والاستقرار الأمني”، مشيراً إلى أن “إصلاح الاقتصاد لا ينفصل عن فرض الأمن والاستقرار وإنهاء الفوضى المسلحة”.
وختم فيصل بالقول إن “نجاح الحكومة الجديدة يتوقف على قدرتها في الانتقال بالعراق من مرحلة الحكومات الخاضعة للمحاصصة والتبعية إلى مرحلة الدولة الوطنية المستقلة، التي تضمن الأمن والاستقرار والسيادة، وتحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للشعب العراقي”.
د. غازي فيصل حسين
أستاذ العلاقات الدولية والتنمية السياسية
