بعد خسارة المنتخب العراقي أمام النرويج بنتيجة (4-1)، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف التعليقات الساخرة والناقدة، حتى بدا وكأن بعض العراقيين كانوا أكثر غضبًا من الهزيمة نفسها. ومن بين التعليقات من قال: “لننسحب من الآن ونخبرهم أن لدينا فاتحة”، وآخر قال: “في المباراة القادمة مع فرنسا سنمنحهم شهداء لا أهدافًا”، وغيرها من العبارات التي اختلط فيها الألم بالسخرية.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل ليس لماذا خسر المنتخب، بل لماذا يسخر العراقي من نفسه ومن فريقه بهذه القسوة؟
إن كرة القدم ليست مجرد لعبة. إنها انعكاس لحالة المجتمع وثقافته ونفسيته العامة. وعندما ننظر إلى العراق اليوم، نجد بلدًا أنهكته الحروب والأزمات والصراعات السياسية والفساد وسوء الإدارة لعقود طويلة. جيل كامل نشأ وهو يشاهد الانكسارات تتكرر في السياسة والاقتصاد والخدمات والتعليم والثقافة، حتى أصبحت خيبة الأمل جزءًا من الحياة اليومية.
في مثل هذه الظروف، لا يعود الإنسان يتعامل مع مباراة كرة قدم بوصفها حدثًا رياضيًا مستقلًا، بل يراها امتدادًا لصورة أكبر. فعندما يخسر المنتخب، يستحضر الكثيرون في أذهانهم خسائر أخرى: خسارة الدولة لهيبتها، وخسارة المؤسسات لكفاءتها، وخسارة المواطن لثقته بالمستقبل. وهكذا تتحول مباراة كرة القدم إلى مساحة لتفريغ الإحباط المتراكم.
من هنا يمكن فهم جانب كبير من موجة السخرية التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي. فهي ليست دائمًا تعبيرًا عن كراهية للمنتخب أو للاعبين، بل هي في كثير من الأحيان محاولة للتنفيس عن غضب أعمق من الواقع نفسه. إنها نوع من “السخرية الدفاعية” التي يلجأ إليها الإنسان عندما يشعر بالعجز عن تغيير الظروف المحيطة به.
لكن في المقابل، يجب أن نفرّق بين النقد والسخرية. فالنقد حق مشروع، بل هو ضرورة للتطوير. من حق الجماهير أن تسأل عن مستوى الإعداد والتدريب والإدارة الرياضية، وأن تطالب بالأفضل دائمًا. أما السخرية التي تتحول إلى تحطيم للمعنويات أو جلد للذات، فهي لا تبني فريقًا ولا تصنع إنجازًا.
والحقيقة التي كثيرًا ما نتجاهلها هي أن الرياضة لا تنمو في الفراغ. فالمنتخبات الكبرى هي نتاج مدارس رياضية متطورة، وأندية قوية، ومدربين أكفاء، وبرامج تغذية وتأهيل واستثمار طويل الأمد في المواهب الشابة. أما في العراق، فإن الرياضة تعاني، كما تعاني بقية القطاعات، من مشكلات مزمنة في التخطيط والإدارة والبنية التحتية والدعم المؤسسي.
لذلك فإن مطالبة المنتخب بتحقيق نتائج تضاهي ما تحققه الدول المستقرة رياضيًا واقتصاديًا وإداريًا، دون توفير البيئة نفسها، هو أمر يحتاج إلى شيء من الواقعية والإنصاف.
لا يعني ذلك تبرير الخسارة أو الاحتفاء بها، بل يعني وضعها في سياقها الصحيح. فاللاعب العراقي ليس مسؤولًا عن كل أزمات العراق، كما أن فوز المنتخب لن يحل مشكلات البلاد. لكن من الظلم أيضًا أن نحمّل اللاعبين أعباء واقع لم يصنعوه.
إن الأمم الواثقة من نفسها تنتقد أداء فرقها الرياضية، لكنها لا تشمت بنفسها. أما المجتمعات التي تعرضت لسنوات طويلة من الإحباط والانكسارات، فإنها تميل أحيانًا إلى جلد الذات وتحويل كل إخفاق إلى مناسبة للسخرية من نفسها قبل الآخرين.
ولهذا فإن خسارة المنتخب أمام النرويج ليست القصة الحقيقية. القصة الأهم هي ما كشفته ردود الأفعال من حالة نفسية واجتماعية يعيشها المجتمع العراقي. فالمشكلة ليست في أربعة أهداف دخلت المرمى، بل في تراكم طويل من الخيبات جعل كثيرين يرون الهزيمة قبل أن تبدأ المباراة.
ورغم كل ذلك، يبقى الأمل قائمًا. فعندما يتعافى العراق، وتُبنى مؤسساته على أسس سليمة، وتحظى الرياضة بما تستحقه من رعاية واهتمام، سيظهر جيل قادر على إعادة العراق إلى المكانة التي يستحقها. وعندها لن تكون كرة القدم مجرد لعبة، بل قصة نجاح أخرى من قصص نهوض الوطن.
ويبقى منتخب العراق، في الفوز والخسارة، جزءًا من هذا الوطن الذي يستحق منا النقد المسؤول، لا اليأس، ويستحق الدعم، لا الشماتة، ويستحق الأمل مهما طال الانتظار.
