30 يوليو، 2026 - 6:07 مساءً
سليدرمقالات وآراء

مِنْ دَفْتَرِ الذِّكْرَيَاتِ(8) مَتَى نَتَعَلَّمُ مِنَ الْغَرْبِ الْبَسَاطَةَ وَالتَّوَاضُعَ؟.. الرَّئِيسُ النَّمْسَاوِيُّ الرَّاحِلُ تُومَاسْ كْلِيسْتِل… دَرْسٌ لَا يُنْسَى

بِقَلَمِ د. عَبْدِ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي

د. عبد الرحيم الشويلي

يَمِيلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْؤُولِينَ فِي الْغَرْبِ إِلَى اعْتِمَادِ مَبْدَإِ الْبَسَاطَةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَالِابْتِعَادِ عَنْ أَسَالِيبِ الْمُبَالَغَةِ وَالْبَهْرَجَةِ الزَّائِفَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ شُعُوبِهِمْ. وَقَدْ أَثْمَرَ هَذَا النَّهْجُ تَقْلِيلَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْمَوَاكِبِ الضَّخْمَةِ، وَالْحِمَايَاتِ الْمُشَدَّدَةِ، وَأَعْدَادِ الْمُرَافِقِينَ، لِيَظَلَّ الْمَسْؤُولُ قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، يُعَامِلُهُمْ بِشَفَّافِيَّةٍ وَإِنْسَانِيَّةٍ، دُونَ حَوَاجِزَ مُصْطَنَعَةٍ أَوْ مَظَاهِرَ لِلِاسْتِعْرَاضِ.

وَلَعَلَّ الرَّئِيسَ الْأَمْرِيكِيَّ جِيمِي كَارْتَر خَيْرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ عُرِفَ بِتَوَاضُعِهِ وَبِسَاطَةِ حَيَاتِهِ حَتَّى بَعْدَ مُغَادَرَتِهِ الْبَيْتَ الْأَبْيَضِ. كَمَا اشْتُهِرَ رَئِيسُ وُزَرَاءِ النُّرْوِيجِ يِنْسْ سْتُولْتِنْبِرْغ بِاسْتِخْدَامِ وَسَائِلِ النَّقْلِ الْعَامِّ وَتَوَاصُلِهِ الْمُبَاشِرِ مَعَ الْمُوَاطِنِينَ.

وَهِيَ نَمَاذِجُ تُؤَكِّدُ أَنَّ هَيْبَةَ الْقَائِدِ لَا تُقَاسُ بِطُولِ الْمَوْكِبِ، وَلَا بِعَدَدِ الْحُرَّاسِ، بَلْ بِقُرْبِهِ مِنْ شَعْبِهِ وَإِخْلَاصِهِ فِي خِدْمَتِهِ.

Thomas Klestil
وَفِي هَذِهِ الْحَلَقَةِ أَسْتَعِيدُ ذِكْرَى لِقَاءٍ لَنْ يَغِيبَ عَنْ ذَاكِرَتِي، جَمَعَنِي بِالرَّئِيسِ النَّمْسَاوِيِّ الرَّاحِلِ تُومَاسْ كْلِيسْتِل، الَّذِي رَأَيْتُ فِيهِ تَجْسِيدًا حَقِيقِيًّا لِلتَّوَاضُعِ وَالرُّقِيِّ الْإِنْسَانِيِّ.

وَمِنْ حُسْنِ حَظِّي، وَبِحُكْمِ عَمَلِي الدِّبْلُومَاسِيِّ فِي سِفَارَةِ جُمْهُورِيَّةِ الْعِرَاقِ فِي فِيينَا، تَشَرَّفْتُ بِلِقَاءِ هَذَا الرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فِي مُنَاسَبَاتٍ رَسْمِيَّةٍ وَغَيْرِ رَسْمِيَّةٍ. أَمَّا اللِّقَاءُ الَّذِي بَقِيَ مَطْبُوعًا فِي ذَاكِرَتِي، فَكَانَ فِي أَوَاخِرِ تِسْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي، دَاخِلَ مُسْتَشْفَى رُودُلْفِينَرْ هَاوْس، أَحَدِ أَشْهَرِ الْمُسْتَشْفَيَاتِ الْخَاصَّةِ فِي أُورُوبَّا.
وَيَقَعُ هَذَا الْمُسْتَشْفَى فِي الْحَيِّ التَّاسِعِ عَشَرَ، وَهُوَ مِنْ أَرْقَى أَحْيَاءِ فِيينَا وَأَجْمَلِهَا. وَقَدْ أُسِّسَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ وَنِصْفِ الْقَرْنِ، وَيَضُمُّ مَهْبِطًا لِلطَّائِرَاتِ الْمِرْوَحِيَّةِ، وَيُعَدُّ مِنْ أَفْخَمِ الْمُؤَسَّسَاتِ الطِّبِّيَّةِ، حَتَّى شَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِفُنْدُقٍ ذِي سَبْعِ نُجُومٍ.
وَكَانَ الْمُدِيرُ الْإِدَارِيُّ لِلْمُسْتَشْفَى صَدِيقِي الْعَزِيزُ، الطَّبِيبُ الْعِرَاقِيُّ الْمَرْحُومُ الدُّكْتُورُ حَمِيدُ الْعَانِي، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَبِ الْأَصْدِقَاءِ إِلَى قَلْبِي.
وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ذَهَبْتُ إِلَى الْمُسْتَشْفَى لِأَخْذِ حُقْنَةٍ فِي الْوَرِيدِ، إِذْ كَانَتِ التَّعْلِيمَاتُ الصِّحِّيَّةُ فِي النَّمْسَا تَقْضِي بِأَنْ تُعْطَى هَذِهِ الْحُقَنُ دَاخِلَ الْمُسْتَشْفَيَاتِ فَقَطْ. وَلِأَنَّ الْمُسْتَشْفَى كَانَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ سَكَنِي، فَقَدْ اغْتَنَمْتُ الْفُرْصَةَ لِلِقَاءِ صَدِيقِي الدُّكْتُورِ الْعَانِي.
وَبَعْدَ أَنْ رَحَّبَ بِي، قَالَ مُبْتَسِمًا: “انْتَظِرْ قَلِيلًا… سَأُعَرِّفُكَ بِشَخْصِيَّةٍ مُهِمَّةٍ.”
وَبَعْدَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ، دَخَلَ الرَّئِيسُ تُومَاسْ كْلِيسْتِل، وَكَانَ يُرَافِقُهُ حَارِسٌ شَخْصِيٌّ وَاحِدٌ فَقَطْ، فِي حِينٍ بَقِيَ السَّائِقُ وَالْحَارِسُ الْآخَرُ فِي السَّيَّارَةِ خَارِجَ الْمُسْتَشْفَى.
وَمَا إِنْ تَبَادَلْنَا التَّحِيَّةَ حَتَّى بَدَتِ الدَّهْشَةُ عَلَى وَجْهِ الدُّكْتُورِ حَمِيدٍ، عِنْدَمَا عَلِمَ أَنَّنِي سَبَقَ أَنْ الْتَقَيْتُ الرَّئِيسَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
جَلَسْنَا نَحْتَسِي الْقَهْوَةَ مَعًا، ثُمَّ حَضَرَ الطَّبِيبُ لِيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا حُقْنَتَهُ، إِذْ كَانَ الرَّئِيسُ أَيْضًا قَدْ جَاءَ لِلْغَرَضِ نَفْسِهِ.
وَدَارَ بَيْنَنَا حَدِيثٌ دَافِئٌ وَوَدُودٌ اسْتَمَرَّ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَةٍ، وَكَانَ النَّصِيبُ الْأَكْبَرُ مِنْهُ عَنْ مَعَانَاةِ الشَّعْبِ الْعِرَاقِيِّ تَحْتَ وَطْأَةِ الْحِصَارِ الْجَائِرِ. وَقَدْ لَمَسْتُ فِي كَلَامِ الرَّئِيسِ تَعَاطُفًا إِنْسَانِيًّا صَادِقًا، بَعِيدًا عَنْ لُغَةِ السِّيَاسَةِ الْجَافَّةِ.
وَعِنْدَمَا انْتَهَى اللِّقَاءُ، وَدَّعْنَا صَدِيقَنَا الْمُشْتَرَكَ الدُّكْتُورَ حَمِيدَ الْعَانِي، رَحِمَهُ اللَّهُ. ثُمَّ اسْتَقَلَّ الرَّئِيسُ سَيَّارَتَهُ وَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ، أَمَّا أَنَا فَعُدْتُ إِلَى شَقَّتِي الْقَرِيبَةِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيَّ، كَمَا جِئْتُ.
وَأَنَا أُغَادِرُ الْمُسْتَشْفَى، لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي أَنَّنِي الْتَقَيْتُ رَئِيسَ دَوْلَةٍ، بَلْ كَانَ يَشْغَلُنِي أَنَّنِي الْتَقَيْتُ إِنْسَانًا كَبِيرًا. فَبَعْضُ الرِّجَالِ تَزِيدُهُمُ الْمَنَاصِبُ بُعْدًا عَنِ النَّاسِ، وَبَعْضُهُمْ تَزِيدُهُمْ قُرْبًا مِنْهُمْ، وَكَانَ تُومَاسْ كْلِيسْتِل مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي.
وَمَا زِلْتُ، كُلَّمَا رَأَيْتُ مَوْكِبًا يُغْلِقُ الطُّرُقَ، وَحُرَّاسًا يُبْعِدُونَ النَّاسَ عَنْ مَسْؤُولٍ، أَسْتَحْضِرُ صُورَةَ الرَّئِيسِ تُومَاسْ كْلِيسْتِل وَهُوَ يَدْخُلُ الْمُسْتَشْفَى بِهُدُوءٍ، يُرَافِقُهُ حَارِسٌ وَاحِدٌ، لَا ضَجِيجَ، وَلَا اسْتِعْرَاضَ، وَلَا حَوَاجِزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ. عِنْدَهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ هَيْبَةَ رَجُلِ الدَّوْلَةِ لَا تَسْكُنُ فِي طُولِ الْمَوَاكِبِ، وَلَا فِي كَثْرَةِ الْحُرَّاسِ، بَلْ تَسْكُنُ فِي تَوَاضُعِهِ، وَفِي مَكَانِهِ الَّذِي يَحْتَلُّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ. وَتِلْكَ هِيَ الْعَظَمَةُ الَّتِي لَا تُصْنَعُ بِالسُّلْطَةِ… بَلْ بِالْإِنْسَانِيَّةِ.
مَعْلُومَاتٌ مُهِمَّةٌ
وُلِدَ الرَّئِيسُ النَّمْسَاوِيُّ الرَّاحِلُ تُومَاسْ كْلِيسْتِل فِي 4 تِشْرِينَ الثَّانِي/نُوفَمْبَر 1932م، وَتُوُفِّيَ فِي 6 تَمُّوز/يُولْيُو 2004م، وَهُوَ الرَّئِيسُ الْعَاشِرُ لِجُمْهُورِيَّةِ النَّمْسَا. تَوَلَّى مَنْصِبَ الرِّئَاسَةِ خِلَالَ الْمُدَّةِ 1992م – 2004م، وَرَحَلَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ وِلَايَتِهِ الثَّانِيَةِ وَالْأَخِيرَةِ.

بِقَلَمِ
د. عَبْدِ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي
الْقَاهِرَة
28 تَمُّوز / يُولْيُو 2026م

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=94094