5 يونيو، 2026 - 10:23 مساءً
سليدرمقالات وآراء

أزمة البنزين في العراق: بين وفرة الموارد وفضيحة سوء الإدارة الطاقوية

بقلم/ د. مصطفى الصبيحي

ليس من المقبول أن يقف بلد يعد من بين أغنى دول العالم بالنفط، عاجزًا أمام مشهد متكرر لاصطفاف المواطنين أمام محطات الوقود للحصول على كميات محدودة من البنزين. هذه الصورة وحدها تكفي لطرح سؤال قاسِ : أين تذهب ثروة العراق النفطية، ولماذا يعود المواطن في كل مرة ليعيش أزمة كان يفترض أنها انتهت منذ عقود؟

إن أزمة البنزين في بعض المحافظات العراقية ليست حادثًا عابرًا ولا خللًا موسميًا كما تقدم رسميًا، بل هي انعكاس مباشر لخلل عميق في إدارة القطاع النفطي، خلل أصبح أشبه بمرض مزمن يتجدد كلما تغير الموسم أو ارتفع الطلب أو اشتدت الظروف.

المفارقة الصادمة أن العراق، الذي يطفو فوق بحر من النفط، ما يزال غير قادر على ضمان استقرار مادة أساسية مثل البنزين. وهذا لا يمكن تفسيره بمنطق “الضغط الاستهلاكي” أو “الطلب الموسمي” بل بمنطق إدارة مرتبكة لسلسلة القيمة النفطية، تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند التوزيع، مرورًا بمصافي التكرير التي لا تزال دون مستوى الطموح، وبشبكات النقل التي تعاني من ضعف واضح في الكفاءة والجاهزية.

إن اصطفاف المواطنين لساعات طويلة أمام محطات الوقود ليس مجرد مشهد خدمي سيئ، بل هو مؤشر سياسي واقتصادي خطير يكشف هشاشة البنية التحتية وغياب التخطيط الاستراتيجي الحقيقي في قطاع الطاقة. دولة تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، لا يفترض أن تناقش أصلًا فكرة “نقص البنزين”، فكيف إذا أصبح النقص حالة متكررة؟

وعلى الرغم من التبريرات الرسمية التي تعيد الأزمة إلى ارتفاع الطلب أو زيادة الحركة خلال المناسبات، إلا أن هذا الخطاب لم يعد مقنعا، بل بات ينظر إليه كغطاء إداري لأزمة أعمق: غياب التوازن بين الإنتاج المحلي للمشتقات النفطية وحجم الاستهلاك المتزايد، واستمرار الاعتماد على حلول آنية واستيرادات إسعافية بدل بناء منظومة إنتاج مستدامة.

الأخطر من ذلك هو أن العراق ما يزال يدار في هذا الملف بمنطق رد الفعل لا الفعل الاستباقي. فبدل الاستثمار في تعزيز قدرات التكرير المحلية، وتوسيع الطاقات التخزينية، وتحديث البنية التحتية للنقل والتوزيع، يتم التعامل مع الأزمات كل مرة كأنها مفاجأة غير متوقعة، في حين أنها في الواقع نتائج متكررة لسياسات لم تتغير.

كما أن ضعف الشفافية في نشر البيانات الدقيقة حول الإنتاج والتوزيع يفاقم الأزمة، ويخلق فجوة ثقة متزايدة بين المواطن والمؤسسات المعنية. فحين يغيب الرقم الحقيقي، يصبح من السهل تمرير التبريرات، ومن الصعب محاسبة التقصير.

من منظور علم إدارة الأزمات، فإن تكرار أزمة البنزين بهذا الشكل يعكس فشلًا واضحًا في بناء منظومات إنذار مبكر، وفشلًا أعمق في تحويل قطاع الطاقة من قطاع ريعي إلى قطاع إنتاجي منظم. فالأزمات المتكررة ليست “صدفة” بل دليل على خلل هيكلي لم تتم معالجته.

إن ما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في أزمة وقود، بل هو صورة مكثفة لأزمة إدارة دولة في أحد أهم قطاعاتها الحيوية. فالثروة النفطية في العراق لا تزال قوة كامنة أكثر منها أداة تنموية فعالة، والفرق بين الاثنين هو الإدارة، لا الموارد.

وعليه، فإن استمرار هذا النمط من المعالجات الجزئية سيبقي البلاد في دائرة مغلقة: أزمة تتكرر، ووعود تطلق، وحلول إسعافية لا تغير شيئًا في الجوهر.

إن أزمة البنزين ليست مشكلة توزيع فقط، بل امتحان حقيقي لجدية الدولة في إدارة ثروتها. وما لم يتم الانتقال من منطق التهدئة المؤقتة إلى منطق الإصلاح الهيكلي الشامل، فإن المواطن سيبقى يدفع ثمن الوفرة التي لا تصل إليه.

وفي النهاية، فإن هذه الأزمة ليست مجرد خلل في الوقود، بل خلل في الفهم ذاته لمعنى إدارة الثروة في بلد يفترض أنه من أغنى دول العالم، لكنه ما زال يقف في طوابير الان

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93073

موضوعات ذات صلة

رؤى مظلوم تكتب: حقيقة الكذب الأمريكي

admin

رامي الشاعر يكتب.. أملي أن يترأس اجتماع التنظيمات الفلسطينية في موسكو الرئيس محمود عباس

admin

سياسة أمريكا في العراق إدارة الفشل ؟!.. الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

admin

عبدالله العبادي يكتب.. «ماسك وجنوب إفريقيا ومعاداة البيض»

admin

د. أبو خليل الخفاف يكتب.. الهوية الوطنية العراقية بين الفخر والتحيز

admin

محمد العرب يكتب: حجة.. كلمة سر النهاية!

admin