5 يونيو، 2026 - 4:23 مساءً
سليدرمقالات وآراء

من هندسة الحروب إلى هندسة الفوضى.. بقلم/ د. فالح الشبلي

من هندسة الحروب إلى هندسة الفوضى مقال بقلم/ د. فالح الشبلي

في التحليلات السياسية التقليدية يُفترض أن الحروب تنتهي بتسويات، وأن الأزمات تُدار تمهيدًا لحلها، وأن الصراعات مهما طالت تصل في النهاية إلى نقطة توازن جديدة. لكن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم يشير إلى تحول أعمق وأخطر؛ إذ لم تعد القوى الكبرى تعمل على حل الأزمات، بل على تحويلها إلى بنية دائمة تُدار وتُستثمر وتُستخدم في إعادة تشكيل النظام الإقليمي.
ما بين أوكرانيا وغزة ولبنان وسوريا والعراق وإيران، يبدو العالم كأنه انتقل من مرحلة “إدارة الصراع” إلى مرحلة “إدارة البيئة الصراعية”. الفرق بين المرحلتين كبير؛ ففي الأولى يكون الهدف احتواء الأزمة تمهيدًا لتسويتها، أما في الثانية فيصبح وجود الأزمة نفسها جزءًا من التوازن المطلوب.
الذي يثير الانتباه أن معظم المبادرات الدولية خلال السنوات الأخيرة لم تُنتج حلولًا نهائية لأي ملف من الملفات الكبرى. فالحرب في سوريا لم تنتهِ رغم مرور سنوات طويلة، والقضية الفلسطينية لم تُحسم رغم عشرات المبادرات، والملف النووي الإيراني ينتقل من أزمة إلى أخرى دون إغلاق نهائي، والعراق ما زال يعيش داخل دائرة إعادة إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة. هذا التكرار ليس صدفة سياسية، بل قد يكون انعكاسًا لتحول في طبيعة التفكير الاستراتيجي الدولي.
في الماضي كانت القوى العظمى تبحث عن مناطق مستقرة تضمن المصالح الاقتصادية والعسكرية. أما اليوم فإن بعض مراكز القرار باتت ترى أن الاستقرار الكامل قد يخلق قوى إقليمية مستقلة وقادرة على التحرر من الضغوط الخارجية. ومن هنا يصبح إبقاء الأزمات ضمن سقف معين أكثر فائدة من إنهائها كلها.
إن الشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع على الجغرافيا فقط، بل أصبح مختبرًا لإعادة توزيع النفوذ العالمي. فواشنطن لا تريد انهيار المنطقة، لكنها لا تبدو مستعجلة لإنهاء كل صراعاتها. وموسكو تدرك أن استمرار التوتر يضمن لها حضورًا تفاوضيًّا دائمًا. أما الصين فتراقب المشهد من زاوية مختلفة، حيث تستفيد من استنزاف الآخرين بينما تتوسع اقتصاديًّا بهدوء.
لكن التطور الأخطر لا يتعلق بالقوى الكبرى وحدها، بل بطبيعة الدول الإقليمية نفسها. فمعظم الفاعلين المحليين لم يعودوا يتحركون وفق مشروع نهائي واضح، بل وفق إدارة مستمرة للمخاطر. الجميع يخشى الخسارة أكثر مما يسعى إلى النصر، والجميع يحاول منع انهيار التوازنات أكثر مما يحاول تغييرها.
ومن هنا يظهر سؤال نادرًا ما يُطرح في مراكز التحليل:
ماذا لو كانت الأزمة نفسها هي الحل الذي تبحث عنه القوى الكبرى؟
ليس بمعنى الرغبة في الفوضى المطلقة، بل بمعنى الإبقاء على مستوى محسوب من التوتر يمنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة، ويُبقي الجميع بحاجة إلى المظلة الدولية. عندها تصبح الأزمات أدوات ضبط جيوسياسي لا مشكلات تستدعي المعالجة.
ولهذا فإن ما نراه من هدن مؤقتة، ومفاوضات متقطعة، وتصعيد محدود، وتفاهمات غير مكتملة، ليس فشلًا دبلوماسيًّا بالضرورة، بل قد يكون الشكل الجديد للنظام الإقليمي الذي يتشكل أمام أعيننا، نظام لا يقوم على السلام الشامل ولا على الحرب الشاملة، بل على منطقة تتحرك دائمًا بين الحافتين.
وإذا كانت الحروب الكبرى في القرن العشرين قد أعادت رسم الخرائط، فإن صراعات القرن الحادي والعشرين قد تعيد تعريف وظيفة الدولة نفسها. فبدلًا من أن تكون الدولة مركز الاستقرار، قد تتحول إلى عقدة داخل شبكة أوسع من الأزمات المتداخلة التي تُدار دوليًّا وإقليميًّا.
الخطر الحقيقي إذن ليس في أن الشرق الأوسط يتجه نحو حرب كبرى، بل في أن المنطقة قد تدخل عصرًا جديدًا لا تنتهي فيه الحروب تمامًا، ولا يتحقق فيه السلام تمامًا، عصر تصبح فيه الأزمات حالة دائمة، وتتحول التسويات إلى محطات استراحة مؤقتة، بينما يستمر الصراع بوصفه جزءًا من هندسة النظام الإقليمي ذاته.
ما يجري في الشرق الأوسط قد لا يكون تعثرًا في الوصول إلى الحلول، بل تحولًا في مفهوم الحل نفسه. فحين تصبح الأزمات أداة لإدارة التوازنات الدولية، يتراجع السعي إلى إنهائها، ويصبح الهدف الحقيقي هو ضمان استمرارها ضمن حدود يمكن التحكم فيها، وعندها لا يعود السؤال: متى تنتهي الأزمات؟ بل: من المستفيد من بقائها؟

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=93063

موضوعات ذات صلة

من يملك حق توزيع صكوك الوطنية؟.. بقلم: د. رياض الدليمي

admin

أحلام السيد تكتب: للحب حكاياتٌ أخرى

admin

الدكتور محمد العرب يكتب.. الذكاء الاصطناعي والتحولات الحتمية

admin

طه كامل يكتب.. هل يفعلها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى الآن ؟

admin

الدكتور عبد الكريم الوزان يكتب.. “إيّاكَ أن تُعطي فؤادكَ”!

admin

الدكتور عبدالكريم يكتب.. أبوالزلازل والأمطار “!!

admin