تتشابك في منطقتنا اليوم ملامح صراع دموي يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية التقليدية ليغوص في أعماق الفلسفة التاريخية للقوة..
ومع تصاعد المواجهة في مراحلها المتقدمة بين القوى الكبرى والإقليمية”الولايات المتحدة وايران “يطفو على السطح ما يمكن تسميته ب”الفكر الإسبرطي” ذاك النهج الذي يقدس الانضباط العسكري الصارم ويختزل السياسة في معادلات الردع المتبادل وتوازنات القوة المفرطة.
يعيدنا هذا الواقع المعقد إلى الجذور حيث قدم التاريخ البشري ثلاثة نماذج لصياغة الوجود الإنساني تتصارع اليوم في وعينا المعاصر ..
أولها: النموذج السومري “وادي الرافدين” تجسد في ملحمة كلكامش حيث لم تقتصر التجربة على القوة بل امتدت إلى “الحلم” بالسعي نحو الخلود.. غير أن الرحلة انتهت باكتشاف الحقيقة الكبرى ..أن الإنسان مهما بلغت سطوته يظل كائناً محدوداً أمام حتمية الزمن.
وثانيها: النموذج الإسبرطي.. يرى الإنسان كآلة حربية والقوة كغاية قصوى.. هنا لا تطلب القوة لحماية العدالة بل تصبح هي “العدالة” ذاتها عبر الهيمنة والاستعداد الدائم لإخضاع الآخر.
وثالثها :النموذج الإغريقي..أسس الحضارة على العقل بدلاً من العضلات ومنح السيادة للحكيم المفكر لا للبطل المحارب..فكان القوي هو من يملك الحجة والبرهان لا من ينتصر في حلبات المصارعة فقط.
وهذه النماذج لا تنتمي للتاريخ الغابر فحسب بل تمتد ظلالها لتغطي حاضرنا المأزوم..فالفكر الإسبرطي يتجلى اليوم في سباق تسلح محموم حيث تختزل السياسة إلى “لعبة نفوذ” تسحق تطلعات الإنسان للعيش الكريم..ولا تكتفي النسخة المعاصرة من “إسبرطة” بتحصين ذاتها بل تسعى لتحويل شعوب المنطقة إلى مجرد أرقام في معادلات استراتيجية كبرى ورهائن في حروب بالوكالة لا ناقة لهم فيها ولا جمل سوى كونهم وقوداً لصراعات الهيمنة.
ووسط هذا الصخب يخفت صوت العقل الإغريقي وتتوارى حكمة أرسطو القائلة إن الفضيلة تكمن في التوازن وأن أي اختلال في هذا الميزان هو أصل كل انحراف سياسي وأخلاقي.. أما الحلم السومري فيظهر اليوم في سعي القوى الدولية نحو التفوق المطلق وكأنها تلهث وراء خلود سياسي مستحيل أو هيمنة أبدية تصطدم دوماً بحدود الواقع وتعقيداته التي تفشل السياسة وتفقدها مبرر وجودها.
وتبرز هنا مفارقة عصرنا الصارخة..كلما تعاظمت أدوات القوة ازداد الإنسان ضعفاً..وحين تتحول القوة إلى غاية بحد ذاتها تفقد قدرتها على الحماية وتتحول إلى أداة للتوحش وتحول مقاوميها إلى وحوش يشبهونها.. فالقوة حين تنفلت من ضوابطها الأخلاقية لا تعود أداة للحماية أو تحقيق التوازن بل تتحول إلى قوة عمياء تعيد إنتاج العنف ذاته الذي تدعي مواجهته فتذيب الفوارق بين الخصم وصورته وتجر الجميع إلى دائرة واحدة من القسوة المتبادلة ..وكأن تحذير “نيتشه” يقرع أجراس الخطر من جديد: “من يقاتل الوحوش عليه أن يحذر من أن يتحول هو نفسه إلى وحش”.
في نهاية المطاف تظل الشعوب هي الضحية التي تساق تحت عناوين أيديولوجية براقة وتحشيد العواطف والحماسة في صراع فقدت فيه القوة عقلها بالتزمت والعناد وطلقت فيه السياسة أخلاقها.. إن الخروج من هذا المأزق الوجودي والسياسي لا يكون بالانحياز الأعمى لواحد من هذه النماذج دون الآخر بل بإعادة التوازن المفقود بينها فلا قيمة لقوة تفتقر إلى الحكمة وتتحول إلى قوة غاشمة ولا جدوى لعقل يفتقد الإرادة والحنكة ولا معنى لحلم يتجاهل حدود الإنسان وضعفه الطبيعي..إن استعادة الإنسان من براثن “المعادلات” هو الرهان الحقيقي المتبقي لنجاة المنطقة والعالم من محرقة الحروب بالوكالة.
ماهر الصفار
