3 يونيو، 2026 - 5:51 مساءً
مقالات وآراء

سقوط مشاريع التفكيك الإنفصال والهيمنة وبروز نظام اقليمي جديد في المشرق

لم يكن المشروع الفارسي الشيعي في البلاد العربية مشروع نفوذ عابر أو رد فعل ظرفي بل كان مشروعاً توسعياً طويل الأمد بني على استغلال الفوضى وتغذية الصراعات الطائفية وتفكيك الدول من الداخل حتى وصلت إيران في ذروة تمددها الى السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على أربع عواصم عربية متباهية بما اعتبرته انجازاً استراتيجياً تاريخياً

غير أن هذا المشروع الذي بدا يوماً راسخاً ومحصناً بدأ يتهاوى تدريجياً مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة وعلى رأسها انتصار الثورة السورية وصمود الشعب السوري وما رافقه من إعادة تشكل عميقة في موازين القوة الاقليمية.

لقد شكلت سوريا الركيزة الأخطر في المشروع الإيراني فهي ممر السلاح الاستراتيجي وساحة التهديد المتقدم وذراع النفوذ الأهم ومع تحرر الدولة السورية واستعادة سيادتها على أراضيها انقطع الشريان الحيوي الذي كانت إيران تضخ عبره أدواتها العسكرية والأمنية وفي مقدمتها حزب الله الذي بدأ انكفاؤه السياسي والعسكري وتراجعت قدرته على فرض معادلات القوة لتخبو ناره تدريجياً بعد سنوات من التمدد والهيمنة.

وفي اليمن لم تعد طهران قادرة على الاستثمار في الفوضى كما في السابق فبعد دحر الدور الإماراتي من المشهد اليمني استعادت المملكة العربية السعودية زمام المبادرة وبدأت مرحلة إعادة ضبط التوازن ما أفقد إيران إحدى أخطر أوراق الضغط التي استخدمتها لتهديد أمن الخليج والجزيرة العربية.

أما العراق الذي عد لسنوات الساحة الأهم للنفوذ الإيراني فقد دخل مرحلة تخبط سياسي وانتخابي عميق كشفت حدود السيطرة الخارجية وأظهرت تصاعد الرفض الشعبي للتبعية وبداية أفول ما سمي بالحشد الشيعي أو الشعبي بعد أن فقد غطاءه السياسي وشرعيته الوطنية وتحول من أداة نفوذ الى عبء داخلي.

وفي ظل هذه التحولات المتسارعة تلوح في الأفق مواجهة كبرى حيث تبدو الحرب الامريكية على إيران أقرب من أي وقت مضى بعد أن حشدت الولايات المتحدة ثقلها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط في إشارة واضحة الى أن مرحلة التسامح مع المشروع الإيراني التوسعي قد شارفت على نهايتها.

ومن جهة أخرى فإن تحرير الدولة السورية وجيشها الوطني لمناطق شرق الفرات من قسد وبسط سيطرة الدولة على أراضيها وثرواتها شكل ضربة قاصمة لمشروع انفصالي آخر ارتبط مباشرة بمخططات أوروبية صهيونية سعت الى تفكيك سوريا وتركيا عبر كيانات وظيفية وأدوات انفصالية.

ومع ضمان تركيا أمن حدودها الجنوبية والقضاء النهائي على تنظيم PKK بوصفه أخطر تهديد وجودي لوحدة أراضيها يمكن القول أن واحداً من أخطر مشاريع الاستنزاف في تاريخ المنطقة قد سقط.
مشروع صنع ليكون جرحا مفتوحا وبؤرة نزاع دائمة تستنزف الدماء والثروات والقوة وتزرع الكراهية بين شعوب المنطقة لتبقى مفككة متصارعة ضعيفة خاضعة للضغوط والابتزازات الخارجية.

وبالتوازي يبرز الدور الأردني بوصفه عنصر توازن مفصلي حيث شكل الأردن حجر الاساس في إفشال المشروع الإنفصالي الخطير الذي كان يراد فرضه في جنوب الشام والمتمثل بما سمي زوراً بدولة باشان الهجرية وهو مشروع انفصالي تفتيتي استهدف قطع التواصل الجغرافي وتهديد الامن القومي السوري والأردني معاً وتحويل الجنوب السوري الى كيان وظيفي دائم الاضطراب وقد أسهم الموقف الأردني بوعيه الأمني والسياسي في إسقاط هذا المشروع عملياً وإغلاق أحد أبواب التقسيم في المنطقة أيضا والتي كانت ومازالت يطمح له الكيان الصهيوني.

وأما مشروع الكيان الصهيوني في المنطقة فإن تفصيله يحتاج معالجة مستقلة لكثرة معطياته وتشعب مساراته غير أن الثابت اليوم أن مرحلة التخادم الوظيفي بين المشروع الفارسي والمشروع الصهيوني قد انتهت بلا رجعة بعد أن استهلكت أدوارها وسقطت أوراقها وانكشفت وظائفها أمام شعوب المنطقة وقد تلقى المشروع الصهيوني ضربة استراتيجية كبرى بسقوط ورقة التوت الإماراتية التي استخدمت غطاء سياسيا ًواقتصاديا ً لتمرير الاختراق والتطبيع وتلميع الاحتلال في الوعي العربي ما أدى الى انكشاف المشروع بكامله وفقدانه أحد أهم خطوط الدفاع الناعمة ومع تآكل هذا الغطاء وتبدل موازين القوة وتفكك شبكات الدعم الاقليمي بات واضحا أن كل ما يتصل بهذا المشروع دخل مرحلة الأفول التدريجي وأن مسألة زواله لم تعد سؤال هل بل سؤال متى وهو أمر بات مرتبطاً بالزمن لا أكثر.

صحيح أن بعض الدول الأوروبية وبعض الأطراف الإقليمية غير راضية عن هذه التحولات الكبرى لكنها اليوم أضعف من أن تمنع سقوط هذه المشاريع بعد أن تغيرت موازين القوة وتكشفت الأدوات الرخيصة وسقطت الاقنعة الزائفة .

واليوم يمكن القول أن المنطقة دخلت مرحلة تاريخية إيجابية جديدة تبشر بفجر مختلف قوامه استعادة القرار الوطني وبناء التحالفات الطبيعية بين دول المنطقة بعيداً عن الوصاية والهيمنة الخارجية
وفي مقدمة هذه التحولات يبرز التكامل والتحالف التركي السوري بوصفه حجر الزاوية في إعادة تشكيل توازنات المشرق لا كتحالف عابر بل كنقطة ارتكاز استراتيجية تنهي عقوداً من الصراع المفتعل والاستنزاف المتعمد.

ومع اتساع هذا المسار ليشمل المملكة العربية السعودية ودولة قطر وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية تتبلور ملامح محور إقليمي جديد يقوم على حماية وحدة الدول ورفض مشاريع التفكيك الطائفي والعرقي وتجفيف منابع الفوضى وبناء منظومة تعاون سياسي وأمني واقتصادي تعيد للعالم العربي والإسلامي ثقله الحقيقي.

إن اجتماع ثقل تركيا الجيوسياسي والعسكري وسوريا بموقعها المحوري وقلبها الجغرافي والسعودية بثقلها العربي والاسلامي والاقتصادي وقطر بدورها السياسي والدبلوماسي المؤثر ومصر بوزنها التاريخي والعسكري والحضاري والأردن بدوره الجيوسياسي والامني المفصلي يشكل نواة صلبة لمعادلة قوة جديدة قادرة على كسر مشاريع الهيمنة الخارجية واغلاق ابواب التدخل وفرض معادلة استقرار قائمة على الشراكة لا التبعية وهي نقطة مهمة جدا ًنطمح لها ويطمح لها كل غيور على وطنه .

وبذلك لا يكون سقوط المشروع الفارسي ولا المشاريع الإنفصالية ولا مشاريع الإحتلال والتطبيع مجرد نهاية مرحلة بل بداية عهد جديد تستعاد فيه السيادة وترمم فيه الجغرافيا السياسية للأمة وتفتح فيه نافذة أمل حقيقية نحو القوة والمنعة والاستقرار بإذن الله سبحانه وتعالى.

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=89611

موضوعات ذات صلة

الدكتور عبدالكريم الوزان يكتب.. «القوم في السر والعلن»!!

admin

من “السلام المقيّد” إلى إعادة تشكيل القوة: هل تُعيد اليابان تعريف دورها العالمي؟

admin

Midnight Hammer Operation

admin

الدكتور محمد العرب يكتب.. «رفقاً بهم.. ليسوا مرضى»

admin

د. أروى الشاعر.. رسالة محبة إلى إخوتنا المسيحيين في سوريا: يعانق الهلال الصليب في عيد الميلاد المجيد

admin

د. أبو خليل الخفاف يكتب.. عن أهمية التثقيف السياسي والقانوني أتحدث

admin