تأتي تغريدة وزير الداخلية السوري المهندس أنس خطاب اليوم في لحظة سياسية وأمنية دقيقة تمر فيها سوريا بمرحلة انتقالية تسعى من خلالها الدولة إلى تثبيت الاستقرار ومنع أي محاولات للعودة إلى الفوضى بالتوازي مع مشروع وطني أوسع لإعادة البناء واستعادة دور الدولة ومؤسساتها.
في مضمون التغريدة يوجّه الوزير تحذيراً واضحاً وصريحاً ولأول مرة لفلول النظام البائد وعصاباته المجرمة ممن يصرّون على الاستمرار في نهج الاجرام ونشر الفوضى والقتل والتخريب كالذي حصل في الساحل
وهذا الخطاب لا يمكن فصله عن السياق العام إذ يعكس انتقال الدولة من مرحلة الاحتواء والترقب إلى مرحلة الحسم القانوني والأمني مع تحميل المسؤولية الكاملة لكل من يهدد السلم الأهلي أو يحاول تقويض الاستقرار.
لكن التغريدة لا تقف عند حدود التحذير بل تحمل في طياتها رؤية سياسية متكاملة للمرحلة المقبلة فالحديث عن سوريا الجديدة سوريا البناء يقدّم بديلاً واضحاً عن منطق الفوضى ويؤكد أن الأمن ليس غاية بحد ذاته بل شرط أساسي لإطلاق عملية إعادة الإعمار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع فلا تطور وبناء واستثمار بدون استقرار أمني ومناخ ملائم لذلك كما أن الإشارة إلى سواعد أبطالها فبناء تلك الثقة بين الدولة والشعب في كل الاختصاصات وفي كل الميادين تعكس فهماً بأن مشروع الدولة ليس أمنياً فقط بل جهداً وطنياً جامعاً تشارك فيه مختلف فئات ومكونات الشعب
كما أن المواجهة التي تشير إليها تغريدة وزير الداخلية لا تقتصر على صراع بين الدولة ومجموعات الفلول والمجرمين بل هي في جوهرها مواجهة مع الشعب السوري بأكمله فالدولة هنا لا تتحرك بمعزل عن مجتمعها بل تمثل إرادته العامة في رفض العودة إلى الفوضى ورفض استباحة الأمن والدم والكرامة من جديد ومن يختار الاستمرار في نهج التخريب إنما يضع نفسه في مواجهة مجتمع كامل اختار الاستقرار والبناء طريقاً له وليس فقط في مواجهة مؤسسة رسمية أو جهاز أمني.
الأهم في التغريدة هو التأكيد على أن الدولة الجديدة هي الضامن الوحيد للجميع وهي عبارة تحمل دلالة سياسية عميقة تعيد ترسيخ مفهوم الدولة الجامعة وتنهي أي تبرير لوجود قوى موازية أو مرجعيات خارج إطار القانون فالدولة وفق هذا الخطاب هي المرجعية الوحيدة القادرة على حفظ الأمن وصون الكرامة وضمان الحقوق بعيداً عن منطق الفوضى والتخريب

وفي سياق متصل لا يمكن تجاهل أن تأجيل مسار العدالة الانتقالية قد استغله فلول النظام البائد لمحاولة إعادة التموضع وخلق حالة من الالتباس إلا أن هذا التأجيل لا يعكس ضعفاً في الدولة ولا تراجعاً عن مبدأ المحاسبة بل هو مسألة وقت وتنظيم كما أقرّت الحكومة نفسها إذ إن بناء الدولة واستعادة الاستقرار كانا أولوية مرحلية تسبق فتح ملفات العدالة بشكل شامل ومنهجي بما يضمن عدم تسييسها أو تحويلها إلى أداة انتقام بل إلى مسار قانوني عادل يطال كل من تلطخت يداه بالدم السوري.
كما أن توقيت التغريدة تمثل إعلاناً واضحاً عن طبيعة المرحلة المقبلة مرحلة لا تسامح فيها مع العنف والتخريب ولا تراجع فيها عن مشروع بناء الدولة فالتحذير الوارد فيها ليس خطاباً انفعالياً بل رسالة سياسية محسوبة تقول بوضوح إن زمن الفوضى المفتوحة قد انتهى وإن من يصرّ على العنف يضع نفسه خارج الإطار الوطني والقانوني.
في المحصلة تشكل هذه التغريدة بياناً سياسياً أمنياً مكثفاً يجمع بين الردع والحسم من جهة والطمأنة وبناء الثقة من جهة أخرى فهي تخاطب من يهددون الأمن برسالة واضحة وتوجّه في الوقت نفسه رسالة إلى عموم السوريين بأن سوريا الجديدة ماضية إلى الأمام ولن تعود لحظة واحدة إلى الوراء في ظل دولة تسعى لأن تكون مظلة أمان وضمان للجميع.
