3 يونيو، 2026 - 12:58 مساءً
مقالات وآراء

أ. د. محمد طاقة يكتب.. الولاء للعراق (قبل ان يضيع الوطن)

أ. د. محمد طاقة يكتب

لم تكن البُنى الطائفية والعشائرية والاثنية والمناطقية ، ظاهرة جديدة في المجتمع العراقي . فهي امتدادات تاريخية متجذرة في البنية الاجتماعية للبلاد .

شأنها شأن معظم المجتمعات المتنوعة . غير ان الفارق الجوهري بين ما كان قائماً قبل الاحتلال عام (2003) وما ظهر بعده ، هو ان النظام الوطني استطاع بسلطته المركزية القوية ومشروعه التنموي الوطني ان يضبط هذه الانقسامات ويمنعها من التحول إلى معاول هدم ، وان يحتضن جميع المكونات ضمن مشروع دولة واحدة وهوية وطنية عليا . فقد ضمت الحكومات العراقية في العقود السابقة خليطاً من مختلف الطوائف والديانات والاتجاهات ،

وأقرت حقوق الأكراد في الحكم الذاتي ، كما رُوعيت حقوق الأقليات كافة . كان الانتماء إلى العراق هو المعيار ، والمواطنة هي الرابط الاساس .

إلا ان دخول قوات الاحتلال إلى بغداد يوم (9/4/2003) قلب المعادلة رأساً على عقب ، فانهارت الدولة المركزية ، وتحول المجتمع إلى ساحة مفتوحة لكل الانقسامات الدفينة التي سرعان ما انفجرت في غياب الدولة ومشروعها الوطني .

فمع تفكيك السلطة الوطنية وإحلال سلطة الاحتلال وحكومات مُعينة ، برزت على السطح ظواهر لم تكن متصورة بهذا الحجم ولا بهذه الخطورة ، لعل اخطرها هو (( ضياع الولاء الوطني )) وتحوله إلى ولاءات طائفية وقومية ومرجعية وعشائرية ومناطقية .

لم يكن يتُوقع أن يُقدم جزء من العراقيين انتماء هم الطائفي على انتمائهم للعراق ، وان تصبح الطائفة معياراً في السياسة والوظائف والاختيارات ، إلى درجة ان الولاء اصبح يتحدد وفق تعليمات مرجعيات دينية معظمها غير عربية وغير عراقية ، وبعضها لايعرف تفاصيل واقع العراق و لايضع مصلحته في الحسبان .

كما اصبح الولاء للقومية على حساب الهوية الوطنية حيث صرّحت بعض القيادات الكردية علناً بأنهم (( أكراد وليسوا عراقيين)) في موقف يعكس عمق الاختلال الهوياتي الذي تفاقم بعد الاحتلال .

كما اصبح الولاء للعشيرة وللشيخ على حساب الولاء للعراق ، حيث جزء آخر من المجتمع بات ولاؤه للعشيرة قبل اي شيء ، حتى لو كان شيخ العشيرة غير متعلم و غير قادر على فهم التحديات الكبرى . وهكذا اصبح قرار الفرد خارج اطار الدولة والمؤسسات ، بل داخل اطار اجتماعي ضيق يقوده أشخاص لا يمتلكون رؤية ولا معرفة .
واصبح الولاء للمناطقية والعصبية المحلية رابطة بديلة عن الولاء للبلد ، بحيث عمقت الانقسامات واضعفت اللحمة الوطنية .
هذه الولاءات جميعها شكلت حواجز صلبة امام وحدة الشعب وقواه الوطنية ، وأسهمت في تفكيك المجتمع واضعافه إلى حد غير مسبوق .

لم تكن هذه الظواهر عفوية أو وليدة الصدفة ، بل جاءت ضمن استراتيجية واضحة اعتمدها الاحتلال . كون تعميق الانقسامات الداخلية تسهل قيادة مجتمع مجزأ ومفكك .

قامت الحكومات التي نُصّبت بعد عام (2003)بترسيخ المحاصصة الطائفية والاثنية والعشائرية كمنهج للحكم ، حتى اصبحت بنية النظام السياسي قائمة على الانقسام لا على الوحدة (( كما جاء بالدستور )) ، فكل طائفة وحزب ومليشيا باتت تمتلك حصتها من الدولة ، وكل جهة لها منطقتها ومؤسساتها وسلاحها واقتصادها .

غياب الدولة وانهيار القانون سمحا بانتشار الفساد المالي والإداري على نطاق واسع وتدهورت القيم الاجتماعية فتعمقت الانانية وضعف الشعور بالمسؤولية الجماعية ، وتحولت الدولة إلى غنيمة والسلطة إلى وسيلة للثراء الفاحش .ومن نتائج ذلك انهيار الخدمات وتراجع التعليم والصحة ، تضخم الجهاز الإداري، وتفشي ثقافة الفساد حتى اصبحت جزءاً من الحياة اليومية .

إن انتشار الفقر والبطالة في اغلب محافظات العراق جعل شريحة واسعة من المجتمع رهينة للحاجة المادية ، ومع سيطرة المليشيات المتحالفة مع ايران وحيتان السلطة على راس المال والاقتصاد ، بات من السهل شراء الولاءات .
لقد اصبح المال هو الرابط الأقوى بين الفقراء وهذه القوى ، حتى تحوّل الولاء الوطني إلى ((سلعة )) تباع وتشترى . وهذه من اخطر مراحل الانحطاط الاجتماعي والسياسي ، لان السيطرة على الثروة والسلطة معاً تتمكن اي قوة من اخضاع الأكثرية وفرض ارادتها على الدولة والمجتمع .

ما يفاقم الأزمة ، كون نمط التفكير السائد في المجتمع العراقي بل في المجتمعات العربية عامة ، هو نمط يقوم على الطائفية والعشائرية والجهوية، وهو نمط لا يواكب تطور العالم ولا يناسب تحديات العصر . ان مجتمعاتنا لا تزال اسيرة التفكير الانفعالي لا العقلاني ، واسير الرموز التقليدية لا العلم والمعرفة ، واسير الماضي لا المستقبل . والمؤلم ان البعض يتبع اشخاصاً غير مؤهلين ، اميين ، ومتخلفين ، فقط لانهم شيوخ عشائر أو رموز دينية ، بغض النظر عن وطنيتهم أو مستوى وعيهم أو ولائهم لدول اخرى ، وهذا امر غير منطقي ولا يتسق مع أي رؤية حضارية .

ايها العراقيون
لا مستقبل للعراق من دون ولاء وطني خالص
إن استمرار ولاءاتكم لغير العراق هو (( كارثة وجودية )) ، لا تهدد حاضرنا فحسب ، بل تدمر مستقبل اجيال كاملة .
ان العراق يُنهب اليوم امام أعين الجميع وثرواته تستنزف ، وسيادته تنتهك ، وحدوده تخترق ، وكل ذلك لان ولاء الكثيرين ليس للوطن بل لغيره . إن اخطر ما يمكن ان تتعرض له دولة هو ضياع الولاء الوطني ، لانه الاساس الذي تبنى عليه السيادة والتنمية والاستقرار .
ان ما يجري في العراق مخيف حقاً ، لكنه ليس قدراً حتمياً . والحل يبدأ من (( اعادة صياغة منظومة التفكير والتخلي عن الطائفية والعشائرية والجهوية، واعتماد عقل حضاري انساني علمي ، يعيد للعراق مكانته ودوره ))
ان الولاء للعراق ليس شعاراً ، بل ضرورة وجودية ، فإذا لم نغير ولاءاتنا وقيمنا فسوف يمحى العراق من الخريطة السياسية ، وسنعيش اذلاء بلا قوة ولا سيادة وستنهب ثرواتنا كما تنهب اليوم .
فلنصْح ُ قبل فوات الأوان ، ولنجعل ولاءنا للعراق فقط ، عراق واحد موحد ، فوق كل طائفة وقومية وعشيرة ومنطقة .

📎 رابط مختصر للمقال: https://alarabportal.com/?p=88786

موضوعات ذات صلة

أحمد النحاس يكتب: “الحشاشون” صفعة على وجه مُدّعى الإبداع

admin

حرب الرموز …

admin

هذه أبرز التحديات أمام الزيدي والعراق يدخل مرحلة الحسم بين الدولة والفصائل

admin

رامي الشاعر: أيها المارون بين الكلمات العابرة.. اخرجوا من أرضنا.. وروسيا تؤكد على الدولة الفلسطينية المستقلة

admin

قليلا من التعقل.. احذروا اللعب بمصير العالم.. بقلم الدكتور علي عزيز أمين

admin

العراق في معادلة الخليج العربي وإيران: من ساحة صراع إلى عقدة توازن إقليمي

admin